ابن عجيبة

395

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

مخير ، وبه قال أبو حنيفة وأحمد ، وأفتى به بعض الشافعية ، وقال الشافعي : يجب أن تقسم على هذه الأصناف بالسواء ، إن وجدت . أولها : الفقير : وهو من لا شئ له ، وثانيها : المسكين : وهو من له شئ لا يكفيه . فالفقير أحوج ، وهو مشتق من فقار الظهر ، كأنه أصيب فقاره ، والمسكين من السكون ، كأن العجز أسكنه . ويدل على هذا قوله تعالى : أَمَّا السَّفِينَةُ فَكانَتْ لِمَساكِينَ « 1 » ، فسماهم مساكين مع ملكهم السفينة ، وأنه صلّى اللّه عليه وسلّم سأل المسكنة ؛ وقيل بالعكس ، لقوله تعالى : أَوْ مِسْكِيناً ذا مَتْرَبَةٍ « 2 » . وقيل : هما سواء . وَالْعامِلِينَ عَلَيْها أي : الساعين في تحصيلها وجمعها ، ويدخل فيهم الحاشر والكاتب والمفرق ، ولا بأس أن يعلف خيلهم منها ، ويضافون منها بلا سرف . وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ قال مالك : هم كفار ظهر ميلهم للإسلام ، فيعطون ترغيبا في الإسلام . وقيل : قوم أسلموا ونيتهم ضعيفة ، فيعطون ليتمكن الإسلام في قلبهم ، وحكمهم باق ، وقيل : أشراف يترقب بإعطائهم إسلام نظائرهم . وَفِي الرِّقابِ أي : في فك الرقاب ، يشترون ويعتقون . وَالْغارِمِينَ ، أي : من عليهم دين ، فيعطى ليقضى دينه ، ويشرط أن يكون استدانه في غير فساد ولا سرف ، وليس له ما يبيع في قضائه . وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ يعنى : الجهاد ، فيعطى منها المجاهدون وإن كانوا أغنياء ، ويشترى منها آلة الحرب ، ولا يبنى منها سور ولا مركب . وَابْنِ السَّبِيلِ وهو الغريب المحتاج لما يوصله لبلده ، ولم يجد مسلفا ، إن كان مليّا ببلده ، وإلا أعطى مطلقا . فرض اللّه ذلك فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ أي : حقّا محدودا عند اللّه . قال ابن جزى : ونصبه على المصدر - يعنى : لفعل محذوف كما تقدم - فإن قيل : لم ذكر مصرف الزكاة في تضاعيف ذكر المنافقين ؟ فالجواب : أنه خص مصرف الزكاة في تلك الأصناف ؛ ليقطع طمع المنافقين فيها ، فاتصلت هذه الآية في المعنى بقوله : ( ومنهم من يلمزك في الصدقات . . ) . ه . ( وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ) ؛ يضع الأشياء في مواضعها . الإشارة : إنما النفحات والمواهب للفقراء والمساكين ، الذين افتقروا من السّوى ، وسكنوا في حضرة شهود المولى . وفي الحكم : « ورود الفاقات أعياد المريدين ، ربما وجدت من المزيد في الفاقة ما لا تجده في الصوم والصلاة ، الفاقات بسط المواهب . إن أردت بسط المواهب عليك فصحح الفقر والفاقة لديك . إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ وَالْمَساكِينِ » .

--> ( 1 ) من الآية 79 من سورة الكهف . ( 2 ) الآية 16 من سورة البلد .