ابن عجيبة
393
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
شيئا من مصنوعاته ، ولا يصغر شيئا من تجلياته ، إذ ما في الوجود إلا تجليات العلى الكبير ، إما من مظاهر اسمه الحكيم ، أو اسمه القدير ، فيعطى الحكمة حقها والقدرة حقها ، ويتلون مع كل واحدة بلونها ، وبالله التوفيق . ثم ذكر وصف نفاق المنافقين ، فقال : [ سورة التوبة ( 9 ) : الآيات 56 إلى 57 ] وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ وَما هُمْ مِنْكُمْ وَلكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ ( 56 ) لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً أَوْ مَغاراتٍ أَوْ مُدَّخَلاً لَوَلَّوْا إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ ( 57 ) قلت : الفرق : الخوف ، و ( مدخلا ) : أصله : متدخلا ، مفتعل من الدخول ، قلبت التاء دالا وأدغمت . يقول الحق جل جلاله : وَيَحْلِفُونَ لكم بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ أي : من جملة المسلمين ، وَما هُمْ مِنْكُمْ ؛ لكفر قلوبهم ، وَلكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ : يخافون منكم أن تفعلوا بهم ما تفعلون بالمشركين ، فيظهرون الإسلام تقية وخوفا لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً أي : حصنا يلتجئون إليه ، أَوْ مَغاراتٍ ؛ غيرانا ، أَوْ مُدَّخَلًا ؛ ثقبا أو جحرا ينجحرون فيه . وقرأ يعقوب : « مدخلا » ؛ بضم الميم وسكون الدال ، أي : دخولا ، أو مكانا يدخلون فيه ، لَوَلَّوْا إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ أي : يسرعون إسراعا لا يردهم شيء كالفرس الجموح . الإشارة : قد يتطفل على القوم من ليس منهم ، فيظهر الوفاق ويبطن النفاق ، كحال أهل النفاق ، فينبغي أن يستر ويحلم عليه ، كما فعل عليه الصلاة والسلام - بالمنافقين ، تلطف معهم في حياتهم ، واللّه يتولى سرائرهم ، وبالله التوفيق . ثم شرع يتكلم في مساوئ المنافقين ، فقال : [ سورة التوبة ( 9 ) : الآيات 58 إلى 59 ] وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْها رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْها إِذا هُمْ يَسْخَطُونَ ( 58 ) وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا ما آتاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ راغِبُونَ ( 59 ) قلت : ( لو ) : شرطية ، و ( أنهم ) : قال سيبويه : مبتدأ ، والخبر محذوف : ولو رضاهم ثابت أو موجود . . إلخ . وقال غيره : فاعل بفعل محذوف ؛ ولو ثبت رضاهم ، وجواب ( لو ) : محذوف ، أي : ولو أنهم رضوا لكان خيرا لهم .