ابن عجيبة
377
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
ثم ذكر مساوئ الأحبار والرهبان ، تنفيرا من طاعتهم ، وذما لمن اتخذهم أربابا ، فقال : [ سورة التوبة ( 9 ) : الآيات 34 إلى 35 ] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيراً مِنَ الْأَحْبارِ وَالرُّهْبانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوالَ النَّاسِ بِالْباطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَها فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ ( 34 ) يَوْمَ يُحْمى عَلَيْها فِي نارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوى بِها جِباهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هذا ما كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ ( 35 ) قلت : ( يحمى عليها ) : الجار والمجرور : نائب الفاعل ، وأصله : يوم تحمى النار الشديدة الحمى عليها ، فجعل الإحماء للنار ؛ مبالغة ، ثم حذفت النار ، وأسند الفعل إلى الجار والمجرور ؛ تنبيها على المقصود ، فانتقل من صيغة التأنيث إلى صيغة التذكير . يقول الحق جل جلاله : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيراً مِنَ الْأَحْبارِ وَالرُّهْبانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوالَ النَّاسِ بِالْباطِلِ ؛ يأخذونها بالرشا في الأحكام ، وسمى أخذ المال أكلا ؛ لأنه الغرض الأعظم منه ، وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أي : يعوقون الناس عن الدخول في دينه ، وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ أي : يدخرونها وَلا يُنْفِقُونَها أي : الأموال المفهومة من الذهب والفضة ، أو الكنوز ، أو الفضة ، واكتفى بذكرها عن الذهب ؛ إذ الحكم واحد ، فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ ؛ وهو الكي بها ، وهذا الحكم يحتمل أن يرجع لكثير من الأحبار والرهبان ، فيكون مبالغة في وصفهم ، بالحرص على المال وجمعه ، وأن يراد به المسلمون الذين يجمعون الأموال ، ويقتنونها ولا يؤدون حقها ، ويكون اقترانه بأكلة الرشا من أهل الكتب ؛ للتغليظ . ويدل عليه : أنه لما نزلت على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، ذكر ذلك عمر لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، فقال : « إنّ اللّه لم يفرض الزكاة إلا ليطيّب بها ما بقي من أموالكم . » « 1 » وقوله - عليه الصلاة والسلام - : « ما أدى زكاته فليس بكنز » « 2 » . وقال أبو ذر وجماعة من الزهاد : كل ما فضل عن حاجة الإنسان فهو كنز ، وحمل الآية عليه .
--> ( 1 ) أخرجه أبو داود في ( الزكاة ، باب في حقوق المال ) والحاكم في المستدرك ( 1 / 409 ) من حديث ابن عباس ، والحديث صححه الحاكم ووافقه الذهبي . ( 2 ) أخرجه البيهقي في الكبرى ( كتاب الزكاة 4 / 83 ) وابن عدي في الكامل في ( ترجمة سويد بن عبد العزيز 3 / 1362 ) من حديث ابن عمر مرفوعا وأخرجه موقوفا البخاري ( 2 / 271 ) .