ابن عجيبة
378
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
ثم ذكر وعيدهم فقال : يَوْمَ يُحْمى عَلَيْها أي : على الأموال المكنوزة فِي نارِ جَهَنَّمَ أي : يوم توقد النار ذات الحمى الشديد عليها ، حتى تكون صفيحة واحدة ، فَتُكْوى بِها جِباهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ ، خصهم بالعذاب ، لأنهم كانوا يعرضون عن السائل ، ويولون ظهره ، فيعرضون عنه بجباههم وجنوبهم . أو لأنها أشرف الأعضاء ، لاشتمالها على الدماغ والقلب والكبد . أو لأنها أصول الجهات الأربع ، التي هي مقادم الإنسان ؛ مؤخره وجنبتاه . يقال لهم : هذا ما كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ أي : لمنفعتها ، وكان عين مضرتها وسبب تعذيبها ، فَذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ أي : وبال كنزكم ، أو ما كنتم تكنزونه . وعن أبي هريرة رضى اللّه عنه قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « ما من صاحب ذهب ولا فضّة لا يؤدى منها حقّها إلّا إذا كان يوم القيامة صفّحت له صفائح من نار ، فأحمى عليها في نار جهنم ، فيكوى بها جبينه وجنبه وظهره ، كلما بردت أعيدت له ، في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة ، حتى يقضى بين العباد ، فيرى سبيله : إما إلى الجنة وإما إلى النار » . رواه مسلم بطوله « 1 » . قال ابن عطية : روى أن أصحاب النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قالوا : قد ذم اللّه تعالى كسب الذهب والفضة ، فلو علمنا أىّ المال خير حتى نكسبه ؟ فقال عمر : أنا أسأل لكم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، فسأله ، فقال : « لسان ذاكر ، وقلب شاكر ، وزوجة تعين المرء على دينه » « 2 » . وروي أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال ، لما نزلت الآية : « تبّا للذّهب والفضّة » « 3 » . فحينئذ أشفق أصحابه ، وقالوا ما تقدم . ه . ولابن حجر : من خير ما يتخذ الإنسان * في دنياه كيما يستقيم دينه . قلب شكور ، ولسان ذاكر ، * وزوجة صالحة تعينه . وهو نظم لهذا الحديث ، وقد تكلم عليه في الجامع وشرحه . قاله المحشى . الإشارة : هذه الآية تغبر في وجوه علماء السوء ، الذين يتساهلون في أكل الدنيا بالعلم ، كقبض الرشا ، وقبض ما فوق أجرته في الأحكام ، فترى بعض قضاة الجور يقبضون المثاقيل على إنزال يده على الحكم ، مع أنه واجب عليه ، حيث تعين عليه بنصب الإمام له ، وتجر ذيلها على أغنياء الدنيا ، الذين يجمعون الأموال ويكنزونها ، فترى
--> ( 1 ) أخرجه مسلم في ( الزكاة ، باب إثم مانع الزكاة ) من حديث أبي هريرة رضى اللّه عنه . ( 2 ) أخرجه أحمد في المسند ( 5 / 278 - 282 ) والترمذي في ( التفسير - سورة التوبة ) وابن ماجة في ( الكفاح باب أفضل النساء ) عن ثوبان . ( 3 ) أخرج هذه الرواية الإمام أحمد في المسند ( 5 / 366 ) عن عبد اللّه بن أبي الهذيل .