ابن عجيبة

374

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

[ سورة التوبة ( 9 ) : الآيات 30 إلى 33 ] وَقالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقالَتِ النَّصارى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْواهِهِمْ يُضاهِؤُنَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ ( 30 ) اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَما أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا إِلهاً واحِداً لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ ( 31 ) يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِؤُا نُورَ اللَّهِ بِأَفْواهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلاَّ أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ ( 32 ) هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ ( 33 ) قلت : ( عزيز ) : ( مبتدأ ) ، و ( ابن اللّه ) : خبر ، فمن نونه جعله مصروفا ؛ لأنه عنده عربى ، ومن حذف تنوينه : إما لمنعه من الصرف ؛ للعلمية والعجمة عنده ، وإما لالتقاء الساكنين ؛ تشبيها للنون بحروف اللين ، وهو ضعيف ، والأول أحسن . يقول الحق جل جلاله : وَقالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ ، قال ابن عباس : هذه المقالة قالها أربعة منهم ، وهم : سلام بن مشكم ، ونعمان أو لقمان بن أوفى ، وشاس بن قيس ، ومالك بن الصّيف « 1 » . وقيل : لم يقلها إلا فنحاص ، ونسب ذلك لجميعهم ؛ لسكوتهم عنه . قال البيضاوي : إنما قال ذلك بعضهم من متقدميهم ، أو ممن كانوا بالمدينة ، وإنما قالوا ذلك ؛ لأنه لم يبق فيهم بعد وقعة بختنصر من يحفظ التوراة ، وهو - أي عزير - لما أحياه اللّه بعد مائة عام ، أملى عليهم التوراة حفظا ، فتعجبوا من ذلك ، وقالوا : ما هذا إلا أنه ابن اللّه ، والدليل على أن هذا القول كان فيهم أن الآية قرئت عليهم فلم يكذبوا مع تهالكهم على التكذيب . ه . وَقالَتِ النَّصارى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ، هو أيضا قول بعضهم ، وإنما قالوه استحالة أن يكون الولد بلا أب ، أو لما كان يفعل من إبراء الأكمه والأبرص وإحياء الموتى ، وتقدم الرد عليهم ، وسبب إدخال هذه الشبهة عليهم ، في سورة المائدة . « 2 » قال تعالى : ذلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْواهِهِمْ من غير دليل ولا برهان ، بل قالوا به من عندهم يُضاهِؤُنَ أي : يشابهون في هذه المقالة قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ ، يعنى : قدماءهم ، على معنى أن الكفر قديم فيهم . قال ابن جزى : فإن كان الضمير لليهود والنصارى ، أي : المتقدمين ، فالإشارة بقوله : ( الذين كفروا من قبل ) للمشركين من العرب ، إذ قالوا : الملائكة بنات اللّه ، وهم أول كافر ، أو للصابئين ، أو لأمم تقدمت ، وإن كان الضمير للمعاصرين للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم ؛ من اليهود والنصارى ، فالذين كفروا من قبل هم أسلافهم المتقدمون . ه .

--> ( 1 ) انظر تفسير البغوي ( 4 / 36 ) . ( 2 ) عند تفسير قوله تعالى : لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ . . . الآية 72 .