ابن عجيبة
375
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
قاتَلَهُمُ اللَّهُ أي : أهلكهم ودمرهم ؛ لأن من قاتله اللّه هلك ، فيكون دعاء ، أو تعجبا من شناعة قولهم ، أَنَّى يُؤْفَكُونَ أي : كيف يصرفون عن الحق إلى الباطل . اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ أي : علماءهم وَرُهْبانَهُمْ ؛ عبّادهم أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ ؛ بأن أطاعوهم في تحريم ما أحل اللّه ، وتحليل ما حرم اللّه ، وفي السجود لهم ، وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ ؛ بأن جعلوه ابن اللّه ، وَما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلهاً واحِداً وهو اللّه الواحد الحق ، وأما طاعة الرسول - عليه الصلاة والسلام - وسائر من أمر بطاعته ، فهو في الحقيقة طاعة لله ، لا إِلهَ إِلَّا هُوَ ؛ تقرير للتوحيد ، سُبْحانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ ؛ تنزيها له عن أن يكون معه شريك . يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِؤُا أي : يخمدوا نُورَ اللَّهِ ؛ القرآن أو الإسلام بجملته ، بِأَفْواهِهِمْ كقولهم فيه : سحر ، وشعر ، وغير ذلك ، وفيه إشارة إلى ضعف حيلتهم فيما أرادوا ، وَيَأْبَى اللَّهُ ؛ لا يرضى إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ بإعلاء التوحيد ، وإظهار الإسلام ، وإعزاز القرآن وأهله ، وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ ذلك ، فإن اللّه لا محالة يتم نوره ، ويظهر دينه . هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ محمدا صلّى اللّه عليه وسلّم بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ ، الضمير في « يظهره » : للدين الحق ، أو للرسول صلّى اللّه عليه وسلّم ، واللام في « الدين » : للجنس ، أي : على سائر الأديان فينسخها ، أو على أهلها فيخذلهم ، وقد أنجز وعده ، وأظهر دينه ورسوله على الأديان كلها ، حتى عم المشارق والمغارب ، وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ ذلك الإظهار ، فيظهره اللّه رغما عن أنفهم . وقيل : يتحقق ذلك عند نزول عيسى عليه السّلام ، حتى لا يبقى دين إلا دين الإسلام ، واللّه تعالى أعلم . الإشارة : من انطمس نور بصيرته نسب لله ما لا يليق بكمالاته ، ومن لم تنهضه سوابق العناية وقف مع الوسائط ، ولم ينفذ إلى شهود الموسوط ، وقد عيّر اللّه قوما وقفوا مع الوسائط فقال : اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ ، وقال ، في شأن الواسطة العظمى ؛ غيرة على القلوب أن تقف مع غيره : لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ « 1 » ، إِنَّما أَنْتَ نَذِيرٌ « 2 » ، ودخل بعض العارفين على إنسان وهو يبكى ، فقال : وما يبكيك ؟ فقال له : مات أستاذي ، فقال له ذلك العارف : ولم جعلت أستاذك من يموت ؟ . فالوسائط ؛ كالأنبياء والأولياء ، إنما هم موصّلون إلى اللّه ، دالون عليه ، فمن وقف معهم ولم ينفذ إلى اللّه فقد اتخذه ربا عند الخواص .
--> ( 1 ) من الآية 128 من سورة آل عمران . ( 2 ) من الآية 12 من سورة هود .