ابن عجيبة
373
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
فإيمانهم في الجانبين كلا إيمان ، وَلا يُحَرِّمُونَ ما حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ؛ لأنهم يحلون الخمر والميتة والدم ولحم الخنزير ، وغير ذلك مما حرمته الشريعة المحمدية ، وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ أي : لا يدخلون في الإسلام ، الذي هو الدين الحق ، الناسخ لسائر الأديان ومبطلها . ثم بيّن الذين أمر اللّه بقتالهم بقوله : مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ ؛ وهم اليهود والنصارى . وحين نزلت خرج رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم لغزوة تبوك لقتال النصارى ، ووصل إلى أوائل بلد العدو ، فصالح أهل أدرج وأيلة ، وغيرهما ، على الجزية وانصرف ، وذلك امتثال للآية . قال تعالى : فقاتلوهم حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ أي : ما تقرر عليهم أن يعطوه ، وقدرها عند مالك : أربعة دنانير على أهل الذهب ، وأربعون درهما على أهل الورق ، يؤخذ ذلك من كل رأس ، واتفق العلماء على قبول الجزية من اليهود والنصارى ، ويلحق بهم المجوس ؛ لقوله صلّى اللّه عليه وسلّم : « سنّوا بهم سنّة أهل الكتاب » « 1 » ؛ لأن لهم شبهة كتاب ، فألحقوا بهم . واختلفوا في قبولها من عبدة الأوثان ؛ قال مالك : تؤخذ من كل كافر إلا المرتد ، ولا تؤخذ من النساء والصبيان والمجانين . وقوله تعالى : عَنْ يَدٍ أي : يباشر إعطاءها بيده ، لا يبعثها مع أحد ، أو لا يمطل بها ، كقولك : يدا بيد ، أو عن استسلام وانقياد ، كقولك : ألقى فلان بيده . وَهُمْ صاغِرُونَ ؛ أذلاء محقورون . وعن ابن عباس رضى اللّه عنه : تؤخذ الجزية من الذمي ، وتوجأ عنقه ، أي : تصفع . الإشارة : يؤمر المريد بقتل نفسه وحظوظه وهواه ، وأعظمها : حب الدنيا والرئاسة والجاه ، ولا يزال يخالف هواها ، ويعكس مراداتها ، ويحملها ما يثقل عليها ، حتى تنقاد إليه بالكلية ، بحيث لا يثقل عليه شئ ، ويستوى عندها العز والذل ، والفقر والغنى ، والمدح والذم ، والمنع والعطاء ، والفقد والوجد ، فإن استوت عندها هذه الأحوال فقد أسلمت وأعطت ما يجب عليها ، فيجب حفظها ورعايتها ، وتصديقها فيما يرد عليها . وبالله التوفيق . ثم ذكر الباعث على جهاد أهل الكتاب ، وهو فساد اعتقادهم ، فقال :
--> ( 1 ) أخرجه مالك في الموطأ ( الزكاة ، باب جزية أهل الكتاب والمجوس ) والشافعي في مسنده ( الجزية ) والبيهقي في السنن الكبرى ( 9 / 189 ) ، والبغوي في شرح السنة ( 11 / 169 ) عن عبد الرحمن بن عوف .