ابن عجيبة
372
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً أي : فقرا بسبب منع المشركين من الحرم ، وكانوا يجلبون لها الطعام ، فخاف الناس قلة القوت منها ، إذا انقطع المشركون عنهم ، فوعدهم اللّه بالغنى بقوله : فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ ؛ من عطائه وتفضله بوجه آخر ، وقد أنجز وعده بأن أرسل السماء عليهم مدرارا ، وأسلمت العرب كلها ، وتمادى جلب الطعام إلى مكة ، ثم فتح عليهم البلاد ، وجلبت لهم الغنائم ، وتوجه الناس إليهم من أقطار الأرض ، وما زال كذلك إلى الآن . وقيده بالمشيئة ؛ لتنقطع الآمال إلى اللّه ، ولينبه على أنه متفضل في ذلك ، وإن الغنى الموعود يكون لبعض دون بعض ، وفي عام دون عام ، إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بأحوالكم ، حَكِيمٌ فيما يعطى ويمنع . الإشارة : بيوت الحضرة - وهي القلوب المقدسة - لا ينبغي أن يدخلها شئ من شرك الأسباب ، أو الوقوف مع رفق الأصحاب ، أو الركون إلى معلوم حتى يفرد التعلق بالحي القيوم ، ولا ينبغي أيضا أن يدخلها شئ من نجاسة حس الدنيا وأكدارها وأغيارها ، فيجب على أربابها الفرار من مواطن الكدر ، والعزلة عن أربابها ؛ لئلا يدخل فيها شئ من نجاستها ، فتموت بعد حياتها ، وكان عيسى - عليه الصلاة والسلام - يقول لأصحابه : ( لا تجالسوا الموتى فتموت قلوبكم ، قالوا : من الموتى يا روح اللّه ؟ قال : المحبون للدنيا الراغبون فيها ) . فإن خفتم عيلة ؛ بالفرار منهم واعتزال نجاستهم ، فسوف يغنيكم اللّه من فضل غيبه إن شاء ، في الوقت الذي يشاء ، إذ لا يخفى عليه شئ في الأرض ولا في السماء . واللّه تعالى أعلم . قال القشيري : إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ أي : لأنهم فقدوا طهارة الأسرار ، فبقوا في مزابل الظنون والأوهام ، فمنعوا قربان المساجد التي هي مساجد القرب ، وأمّا المؤمنون فطهّرهم عن التدنّس بشهود الأغيار ، فطالعوا الحقّ فردا فيما ينشيه من الأمر ويمضيه من الحكم . ه . ثم أمر بجهاد أهل الكتاب ، فقال : [ سورة التوبة ( 9 ) : آية 29 ] قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ ما حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صاغِرُونَ ( 29 ) يقول الحق جل جلاله للمؤمنين : قاتِلُوا أهل الكتاب من اليهود والنصارى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ على ما يجب له ، لإشراكهم عزير وعيسى ، ولتجسيمهم ، وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ ؛ لأنهم ينكرون المعاد الجسماني ،