ابن عجيبة
371
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
الإشارة : لقد نصركم اللّه ، يا معشر المريدين ، على جهاد نفوسكم وتيسير أموركم ، في مواطن كثيرة ، إذا رجعتم إلى ربكم ، واعتزلتم من حولكم وقوتكم في جميع أموركم ، فمن علامة النجاح في النهاية الرجوع إلى اللّه في البداية ، ما تعذر مطلب أنت طالبه بربك ، ولا تيسر مطلب أنت طالبه بنفسك . فمن رجع إلى نفسه ، أو استند إلى عقله وحدسه ، لم تغن عنه شيئا ، وضاقت عليه الأرض بما رحبت ، ورجع من حيث جاء ، فإن انتبه ، ورجع إلى ربه ، أنزل سكينة عليه ، وأيده باليقين ، ورجا أن يدرك أمله من رب العالمين . قال الورتجبي : قوله تعالى : ( ثم أنزل اللّه سكينته على رسوله ) ، سكينته - عليه الصلاة والسلام - زيادة أنوار كشف مشاهدة اللّه ، له ، حين خاف من مكر الأزل ، فأراه اللّه اصطفائيته الأزلية ، وأمنه من مكره ، لا أنه ينظر من الحق إلى نفسه طرفة عين ، لكن إذا غاب في بحر القدم لم ير للحدث أثرا ، ورأى الحدثان متلاشية في فيض العظمة ، ففزع منه به ، فآواه اللّه منه إليه ، حتى سكن به عنه . ه . ثم أمر بمنع المشركين من دخول البيت الحرام ، فقال : [ سورة التوبة ( 9 ) : آية 28 ] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرامَ بَعْدَ عامِهِمْ هذا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شاءَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ( 28 ) يقول الحق جل جلاله : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ أي : عين الخبث ، مبالغة في خبثهم ، إما لخبث باطنهم بالكفر ، أو لأنهم لا يتطهرون من النجاسات ، ولا يتوقون منها ، فهم ملابسون لها غالبا . وعن ابن عباس رضى اللّه عنه : أن أعيانهم نجسة كالكلاب . قاله البيضاوي . فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرامَ ، وهو نص على منع المشركين - وهم عبدة الأوثان - من المسجد الحرام ، وهو مجمع عليه ، وقاس مالك على المشركين جميع الكفار من أهل الكتاب وغيرهم ، وقاس على المسجد الحرام سائر المساجد ، ومنع جميع الكفار من جميع المساجد . وجعلها الشافعي عامة في الكفار ، خاصة بالمسجد الحرام ، فمنع جميع الكفار من دخول المسجد الحرام خاصة ، وأباح دخول غيره ، وقصرها أبو حنيفة على موضع النهى ، فمنع المشركين خاصة من دخول المسجد الحرام وأباح لهم دخول سائر المساجد ، وأباح دخول أهل الكتاب في المسجد الحرام وغيره . قاله ابن جزى . قوله تعالى : بَعْدَ عامِهِمْ هذا يعنى : سنة تسع من الهجرة ، حين حج أبو بكر بالناس ، وقرأ علىّ رضى اللّه عنه عليهم سورة براءة .