ابن عجيبة
37
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
من الطاعات ، وترك المخالفات ، وَجاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ بمحاربة أعدائه الظاهرة والباطنة لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ بالوصول إلى اللّه والفوز بكرامته . الإشارة : لا وسيلة أقرب من صحبة العارفين ، والجلوس بين أيديهم وخدمتهم ، والتزام طاعتهم ، فمن رام وسيلة توصله إلى الحضرة غير هذه فهو جاهل بعلم الطريق . قال أبو عمرو الزجّاجى رضي اللّه عنه : لو أن رجلا كشف له عن الغيب ، ولا يكون له أستاذ لا يجئ منه شئ . وقال إبراهيم بن شيبان رضي اللّه عنه : لو أن رجلا جمع العلوم كلها ، وصحب طوائف الناس ، لا يبلغ مبلغ الرجال إلا بالرياضة من شيخ أو إمام أو مؤدب ناصح ، ومن لا يأخذ أدبه من آمر له وناه يريه عيوب أعماله ورعونات نفسه ، لا يجوز الاقتداء به في تصحيح المعاملات . ه . وقال الشيخ أبو العباس المرسى رضي اللّه عنه : كل من لا يكون له في هذا الطريق شيخ لا يفرح به . ه . ولو كان وافر العقل منقاد النفس ، واقتصر على ما يلقى إليه شيخ التعليم فقط ، فلا يكمل كمال من تقيد بالشيخ المربى ؛ لأن النفس أبدا كثيفة الحجاب عظيمة الإشراك ، فلابد من بقاء شئ من الرعونات فيها ، ولا يزول عنها ذلك ، بالكلية ، إلا بالانقياد للغير والدخول تحت الحكم والقهر ، وكذلك لو كان سبقت إليه من اللّه عناية وأخذه الحق إليه ، وجذبه إلى حضرته ، لا يؤهل للمشيخة ، ولو بلغ ما بلغ ، والحاصل : أن الوسيلة العظمى ، والفتح الكبير ، إنما هو في التحكيم للشيخ ؛ لأن الخضوع لمن هو من جنسك تأنفه النفس ، ولا تخضع له إلا النفس المطمئنة ، التي سبقت لها من اللّه العناية . واللّه تعالى أعلم . ثم ذكر ضد أهل التقوى ، فقال : [ سورة المائدة ( 5 ) : الآيات 36 إلى 37 ] إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذابِ يَوْمِ الْقِيامَةِ ما تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ ( 36 ) يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَما هُمْ بِخارِجِينَ مِنْها وَلَهُمْ عَذابٌ مُقِيمٌ ( 37 ) قلت : ( لو أن لهم ) : الجار متعلق بالاستقرار ، لأنه خبر « إن » مقدما ، والضمير في ( به ) : يعود على ما ومثله ، ووحده باعتبار ما ذكر كقوله : عَوانٌ بَيْنَ ذلِكَ « 1 » . يقول الحق جل جلاله : إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا حين يشاهدون العذاب يتمنون الفداء ، فلو أَنَّ لَهُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً من الأموال والعقار وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذابِ يَوْمِ الْقِيامَةِ ما تُقُبِّلَ مِنْهُمْ
--> ( 1 ) من الآية 68 من سورة البقرة .