ابن عجيبة

38

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

ولا ينفعهم وَلَهُمْ عَذابٌ مُقِيمٌ لا خلاص لهم منه ، وهذا كما ترى في الكفار ، وأما عصاة المؤمنين فيخرجون منها بشفاعة نبيهم - عليه الصلاة والسلام - ولا حجة للمعتزلة في الآية ، خلافا لجهالة الزمخشري . الإشارة : كل من مات تحت قهر الحجاب ، ونكّبته المشيئة عن دخول الحضرة مع الأحباب ، حصل له الندم يوم القيامة ، فلو رام أن يفتدى منه بملء الأرض ذهبا ما تقبل منه ، بل يبقى مقيما في غم الحجاب ، معزولا عن رؤية الأحباب ، يتسلى عنهم بالحور والولدان ، وتفوته نظرة الشهود والعيان في كل حين وأوان ، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم . ثم ذكر حكم السارق الذي تقدم ذكره في قضية طعمة بن أبيرق ؛ لما تقدم أن هذه السورة مكملة لما قبلها ، فقال : [ سورة المائدة ( 5 ) : الآيات 38 إلى 40 ] وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما جَزاءً بِما كَسَبا نَكالاً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ( 38 ) فَمَنْ تابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 39 ) أَ لَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ( 40 ) قلت : ( السارق ) : مبتدأ والخبر محذوف عند سيبويه ، وهو الجار والمجرور ، أي : مما يتلى عليكم حكم السارق والسارقة ، وقال المبرد : الخبر هو جملة : ( فاقطعوا ) ، ودخلت الفاء لمعنى الشرط ؛ لأن الموصول - وهو « ال » - فيه معنى الشرط ، ومثله : الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا « 1 » ، قلت : وهو أظهر ، فإن قلت : ما الحكمة في تقديم المذكر في هذه الآية ، وفي آية الزنا قدم المؤنث ، فقال : الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي ؟ فالجواب : أن السرقة في الرجال أكثر ، والزنى في النساء أكثر ، فقدّم الأكثر وقوعا . وقدّم العذاب هنا على المغفرة لأنه قابل بذلك تقدم السرقة على التوبة ، أو لأن المراد به القطع ، وهو مقدم في الدنيا ، و ( جزاء ) و ( نكالا ) : علة أو مصدر . يقول الحق جل جلاله : وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما أي : أيمانهما من الرسغ ، بشروط ، منها : ألّا يكون مضطرا بالجوع ، على قول مالك ، فيقدم السرقة على الميتة ، إن علم تصديقه . ومنها : ألّا يكون السارق أبا أو عبدا سرق مال ولده أو سيده . ومنها : أن يكون سرق من حرز ، وأن يكون نصابا ، وهو ربع دينار ، أو ثلاثة دراهم ، أو ما يساويهما عند مالك والشافعي ، وقال أبو حنيفة : لا قطع في أقل من عشرة دراهم ، وقال عثمان البتي : يقطع في درهم فما فوق . وفي السرقة أحكام مبسوطة في كتب الفقه .

--> ( 1 ) من الآية 2 من سورة النور .