ابن عجيبة
352
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
والإرشاد والدلالة على اللّه ، أينما حلوا من البلاد ، أولئك بعضهم أولياء بعض في العلوم والأسرار ، وكذلك في الأموال . فقد قال بعض الصوفية : ( الفقراء : لا رزق مقسوم ، ولا سر مكتوم ) . وهذا في حق أهل الصفاء من المتحابين في اللّه . والذين آمنوا ولم يهاجروا هم أهل الأسباب من المنتسبين ، قد نهى اللّه عن موالاتهم في علوم الأسرار وغوامض التوحيد ؛ لأنهم لا يطيقون ذلك ؛ لشغل فكرتهم بالأسباب أو بالعلوم الرسمية ، نعم ، إن وقعوا في شبهة أو حيرة ، وجب نصرهم بما يزيل إشكالهم ، لئلا تقع بهم فتنة أو فساد كبير في اعتقادهم . واللّه تعالى أعلم . ثم أثنى على المهاجرين والأنصار ، فقال : [ سورة الأنفال ( 8 ) : آية 74 ] وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ ( 74 ) قال البيضاوي : لما قسم المؤمنين ثلاثة أقسام ، - أي : مهاجرين ، وأنصار ، ومن آمن ولم يهاجر - بيّن أن الكاملين في الإيمان منهم هم الذين حققوا إيمانهم ، بتحصيل مقتضاه من الهجرة ، والجهاد ، وبذل المال ، ونصرة الحق ، ووعد لهم الوعد الكريم ، فقال : لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ ؛ لا تبعة له ، ولا فتنة فيه . ثم ألحق بهم في الأمرين من يلتحق بهم ويتسم بسمتهم فقال : [ سورة الأنفال ( 8 ) : آية 75 ] وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولئِكَ مِنْكُمْ وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ( 75 ) أي : من جملتكم أيها المهاجرون والأنصار . ه . ثم نسخ الميراث المتقدم ، فقال : وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ يقول الحق جل جلاله وَأُولُوا الْأَرْحامِ من قرابة النسب ، بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ في التوارث من الأجانب ، وظاهره : توريث ذوى الأرحام ، كالخال والعمة وسائر ذوى الأرحام ، وبه قال أبو حنيفة ، ومنعه مالك ، ورأى أن الآية منسوخة بآية المواريث التي في النساء ، أو يراد بالأولية : غير الميراث ، كالنصرة وغيرها . وقوله : فِي كِتابِ اللَّهِ أي : في القرآن ، أو اللوح المحفوظ . إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ من أمر المواريث وغيرها ، أو عليم بحكمة إناطتها بنسبة الإسلام والمظاهرة أولا ، وبالقرابة ثانيا ، واللّه تعالى أعلم .