ابن عجيبة

340

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

ثم ذكر حال المتقدمين من الجبابرة ، فقال : [ سورة الأنفال ( 8 ) : الآيات 52 إلى 54 ] كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقابِ ( 52 ) ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِعْمَةً أَنْعَمَها عَلى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ( 53 ) كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ فَأَهْلَكْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَغْرَقْنا آلَ فِرْعَوْنَ وَكُلٌّ كانُوا ظالِمِينَ ( 54 ) قلت : ( كدأب ) : خبر عن مضمر ، أي : دأب هؤلاء مثل دأب آل فرعون ، وهو عملهم وطريقتهم ، التي دأبوا فيها ، أي : داموا عليها ، ( ذلك ) : مبتدأ ، و ( بأنّ اللّه ) : خبر ، وقال سيبويه : خبر ، أي : الأمر ذلك ، والفاء سببية . يقول الحق جل جلاله : عادة هؤلاء الكفرة العاصين المعاصرين لك ، في استمرارهم على الكفر والمعاصي ، كعادة آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مضوا مِنْ قَبْلِهِمْ ، ثم فسر دأبهم فقال : كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ الدالة على توحيده ، المنزلة على رسله ، فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ كما أخذ هؤلاء ، إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقابِ ؛ لا يغلبه في دفعه شئ . ذلِكَ العذاب الذي حل بهم ، بسبب ذنوبهم وكفرهم ؛ لأن اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِعْمَةً أَنْعَمَها عَلى قَوْمٍ فيبدلها بالنقمة ، حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ أي : حتى يبدلوا ما بأنفسهم ، من حال الشكر إلى حال الكفر ، أو من حال الطاعة إلى حال المعصية ، كتغيير قريش حالهم : من صلة الرحم ، والكف عن التعرض لإيذاء الرسول ومن تبعه ، بمعاداة الرسول ، والسعي في إراقة دم من تبعه ، والتكذيب بالآيات والاستهزاء بها ، إلى غير ذلك مما أحدثوه بعد البعثة ، وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ لما يقولون ، عَلِيمٌ بما يفعلون . دأبهم في ذلك التغيير كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ فَأَهْلَكْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَغْرَقْنا آلَ فِرْعَوْنَ لمّا بدلوا وغيّروا ، ولم يشكروا ما بأيديهم من النعم ، وَكُلٌّ من الفرق المكذبة كانُوا ظالِمِينَ ؛ فأغرقنا آل فرعون ، وقتلنا صناديد قريش ؛ بظلمهم ، وما كنا ظالمين . الإشارة : إذا أنعم اللّه على قوم بنعم ظاهرة أو باطنة ، ثم لم يشكروا اللّه عليها ، بل قابلوها بالكفران ، وبارزوا المنعم بالذنوب والعصيان ، فاعلم أن اللّه تعالى أراد أن يسلبهم تلك النعم ، ويبدلها بأضدادها من النقم ، فمن شكر النعم فقد قيدها بعقالها ، ومن لم يشكرها فقد تعرض لزوالها . فالشكر قيد الموجود وصيد المفقود ، فمن أعطى ولم