ابن عجيبة
341
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
يشكر ، سلب منها ولم يشعر ، والشكر : ألا يعصى اللّه بنعمه ، كما قال الجنيد رضى اللّه عنه . واللّه تعالى أعلم ومن جملة كفران النعم ، نقض العهد ، كما أبان ذلك بقوله : [ سورة الأنفال ( 8 ) : الآيات 55 إلى 59 ] إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ ( 55 ) الَّذِينَ عاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لا يَتَّقُونَ ( 56 ) فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ ( 57 ) وَإِمَّا تَخافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلى سَواءٍ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْخائِنِينَ ( 58 ) وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا إِنَّهُمْ لا يُعْجِزُونَ ( 59 ) قلت : ( فهم لا يؤمنون ) : جملة معطوفة على جملة الصلة ، والفاء للتنبيه على أن تحقق المعطوف عليه يستدعى تحقق المعطوف ، و ( الذين عاهدت ) : بدل بعض من ( الذين كفروا ) ، و ( فشرد ) : جواب ( إما ) ، والتشريد : تفريق على اضطراب . يقول الحق جل جلاله : إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ منزلة الَّذِينَ كَفَرُوا ، تحقق كفرهم ، وسبق به القدر ، فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ أبدا ؛ لما سبق لهم من الشقاء . نزلت في قوم مخصوصين ، وهم بنو قريظة ، الَّذِينَ عاهَدْتَ مِنْهُمْ أي : أخذت عليهم العهد ألا يعاونوا عليك الكفار ، ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ أي : يخونون عهدك المرة بعد المرة ، فأعانوا المشركين بالسلاح يوم أحد ، وقالوا : نسينا ، ثم عاهدهم ، فنكثوا ومالؤوهم عليه يوم الخندق ، وركب كعب بن الأشرف في ملأ منهم إلى مكة ، فحالفوا المشركين على حرب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، فخرج إليهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، فقتل مقاتلتهم وسبا ذراريهم ، وَهُمْ لا يَتَّقُونَ شؤم الغدر وتبعته ، أو : لا يتقون اللّه في ذلك الغدر ونصرته للمؤمنين وتسليطه إياهم عليهم . قال تعالى لنبيه عليه الصلاة السلام : فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ أي : مهما تصادفهم وتظفر بهم فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ أي : فرّق عنك من يناصبك بسبب تنكيلهم وقتلهم ، أو نكّل بهم مَنْ خَلْفَهُمْ ؛ بأن تفعل بهم من النقمة ما يزجر غيرهم ؛ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ أي : لعل من خلفهم يتعظون فينزجروا عن حربك . وَإِمَّا تَخافَنَّ مِنْ قَوْمٍ معاهدين خِيانَةً أي : نقض عهد بأمارات تلوح لك ، فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ أي : فاطرح إليهم عهدهم عَلى سَواءٍ أي : على عدل وطريق قصد في العداوة ، ولا تناجزهم بالحرب قبل العلم بالنبذ ، فإنه يكون خيانة منك ، أو على سواء في العلم بنقض العهد ، فتستوي معهم في العلم بنقض العهد ، إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْخائِنِينَ أي : لا يرضى فعلهم ، وهو تعليل للأمر بالنبذ والنهي عن مناجزة القتال المدلول عليه بالحال .