ابن عجيبة
334
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
يقول الحق جل جلاله : واذكروا إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيا أي : بعدوة الوادي القريبة من المدينة ، وَهُمْ أي : كفار قريش ، بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوى أي : البعيدة منها ، وَالرَّكْبُ أي : العير التي قصدتكم ، أَسْفَلَ مِنْكُمْ أي : في مكان أسفل منكم ، يعنى الساحل ، ثم جمع اللّه بينكم على غير ميعاد ، وَلَوْ تَواعَدْتُمْ لهذا الجمع ، أنتم وهم للقتال ، ثم علمتم حالكم وحالهم لَاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعادِ ؛ هيبة منهم ؛ لكثرتهم وقلتكم ، لتتحققوا أن ما اتفق لكم من الفتح والظفر ليس إلا صنيعا من اللّه تعالى خارقا للعادة ، فتزدادوا إيمانا وشكرا ، وَلكِنْ اللّه جمع بينكم من غير ميعاد ؛ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْراً كانَ مَفْعُولًا ؛ سابقا في الأزل ، وهو نصر أوليائه وقهر أعدائه في ذلك اليوم ، لا يتخلف عنه ساعة . لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ ، أي : قدّر ذلك الأمر العجيب ليموت من يموت عن بينة عاينها ، ويعيش من يعيش عن حجة شاهدها ، لئلا يكون له حجة ومعذرة ، فإن وقعة بدر من الآيات الواضحة ، فكل من عاينها ولم يؤمن قامت الحجة عليه . أو ليهلك بالكفر من هلك عن بينة وحجة قائمة عليه ، ويحيى بالإيمان من حي به عن بينة من ربه ، وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ بكفر من كفر وإيمان من آمن ، فيجازى كلا على فعله . ولعل الجمع بين وصف السمع والعلم ؛ لاشتمال الأمرين على القول والاعتقاد . واذكر أيضا إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنامِكَ قَلِيلًا ، كان صلّى اللّه عليه وسلّم قد رأى الكفار في نومه قليلا ، فأخبر بذلك أصحابه ، فقويت نفوسهم وتجرءوا على قتالهم ، وكانوا قليلا في المعنى ، وَلَوْ أَراكَهُمْ كَثِيراً في الحس لَفَشِلْتُمْ لجبنتم ، وَلَتَنازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ ؛ في أمر القتال ، وتفرقت آراؤكم ، وَلكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ أي : أنعم بالسلامة من الفشل والتنازع ؛ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ أي : يعلم ما يكون فيها من الخواطر وما يغير أحوالها . وَ اذكر أيضا إِذْ يُرِيكُمُوهُمْ أي : يريكم اللّه الكفار ، إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا ، حتى قال ابن مسعود لمن إلى جنبه : أتراهم سبعين ؟ فقال : أراهم مائة ، تثبتا وتصديقا لرؤيا الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم ، وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ ، حتى قال أبو جهل : إن محمدا وأصحابه أكلة جزور - بفتح الهمزة والكاف - جمع آكل - ، أي : قدر ما يكفيهم جذور في أكلهم . قال البيضاوي : قللهم في أعينهم قبل التحام القتال ؛ ليجترءوا عليهم ولا يستعدوا لهم ، ثم كثّرهم حين رأوهم مثليهم ؛ لتفجأهم الكثرة فتبهتهم وتكسر قلوبهم ، وهذا من عظائم آيات اللّه في تلك الوقعة ، فإن البصر ، وإن كان قد يرى الكثير قليلا والقليل كثيرا ، لكن لا على هذا الوجه ولا إلى هذا الحد ، وإنما يتصور ذلك بصد اللّه الأبصار عن إبصار بعض دون بعض ، مع التساوي في المرئي . ه .