ابن عجيبة

335

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

وإنما فعل ذلك في الجهتين ؛ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْراً كانَ مَفْعُولًا أي : ليظهر اللّه أمرا كان سبق به القضاء والقدر ، فكان مفعولا في سابق العلم ، لا محيد عنه ، ومن شأن الحكمة إظهار الأسباب والعلل ، كما أن من شأن القدرة إبراز ما سبق في الأزل ، وإنما كرره ؛ لاختلاف الفعل المعلل به ؛ لأن الأول علة لالتقائهم من غير ميعاد ، وهنا لتقليلهم في أعين الكفرة ، أو للتنبيه على أن المطلوب من العبد هو النظر إلى سابق القدر ، ليخف عليه ما يبرز منه من الشدائد والأهوال ، ولذلك قال أثره : وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ ، وإذا كانت الأمور كلها راجعة إلى اللّه تعالى فلا يسع العبد إلا الرضا والتسليم لكل ما يبرز منها ، فكل ما يبرز من عند الحبيب حبيب . واللّه تعالى أعلم . الإشارة : الأرواح والأسرار بالعدوة القريبة من بحر الحقائق ، ليس بينها وبينه إلا إظهار أدب العبودية ، وهو الذي بين بحر الحقيقة والشريعة ، والأنفس وسائر القواطع بالعدوة القصوى منه ، والقلب ، الذي هو الركب المتنازع فيه ، بينهما ، أسفل من الروح ، وفوق مقام النفس ، الروح تريد أن تجذبه إليها ليسكن الحضرة ، والنفس وجنودها تريد أن تميله إليها ليسكن وطن الغفلة معها ، والحرب بينهما سجال ، تارة ترد عليه الواردات الإلهية ، التي هي جند الروح ، فتنزل عليه بغتة من غير ميعاد ، فتجذبه إلى الحضرة . وتارة ترد عليه الخواطر والهواجم الردية فتحطه إلى أرض الحظوظ بغتة ، ليقضى اللّه أمرا كان مفعولا في سابق علمه ، فإذا أراد اللّه عناية عبد قلّل عنه مدد الأغيار ، حتى يراها كلا شئ ، وقواه بمدد الأنوار حتى يغيب عنه كل شئ ، فتذهب عنه ظلمة الأغيار ، وإذا أراد اللّه خذلان عبد قطع عنه مدد الأنوار ، وقوى عليه مدد الأغيار ، حتى ينحط إلى الدرك الأسفل من النار ، والعياذ بالله من سوء القضاء والقدر ، وإليه الإشارة بقوله : ( ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة ) الآية . واللّه تعالى أعلم . ثم ذكر ما يقوى مدد الأنوار ، وهو الصبر والذكر ، فقال : [ سورة الأنفال ( 8 ) : الآيات 45 إلى 47 ] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ( 45 ) وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَنازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ ( 46 ) وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بَطَراً وَرِئاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَاللَّهُ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ ( 47 )