ابن عجيبة

308

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

بمحاربة نفوسهم ومخالفة عوائدهم . وفي الحديث عنه صلّى اللّه عليه وسلّم ، قال لابن عباس في حديث طويل : « وفي الصّبر على ما تكره خير كثير » . واللّه تعالى أعلم . ثم ذكر بقية قصة بدر ، فقال : [ سورة الأنفال ( 8 ) : الآيات 7 إلى 8 ] وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّها لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ وَيَقْطَعَ دابِرَ الْكافِرِينَ ( 7 ) لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْباطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ ( 8 ) قلت : ( وإذ ) : ظرف لا ذكر ، محذوفة ، و ( أنها لكم ) : بدل اشتمال من ( إحدى الطائفتين ) ، والشوكة : الحدة ، مستعارة من واحد الشوك ، وسميت الحرب شوكة لحدة سلاحها . يقول الحق جل جلاله : وَ اذكروا إِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ ؛ قريشا ، أو عيرهم ، وعدكم أَنَّها لَكُمْ ، وَتَوَدُّونَ ؛ وتتمنون أَنَّ غَيْرَ ذاتِ الشَّوْكَةِ أي : ذات الحرب تَكُونُ لَكُمْ وهي العير ، فإنها لم يكن فيها إلا أربعون رجلا ، وتكرهون ملاقاة النفير لكثرة عددهم وعددهم ، وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ أي : يظهر الحق ، وهو الإسلام ، بقتل الكفار وهلاكهم في تلك الغزوة ، بِكَلِماتِهِ أي : بإظهار كلماته العليا ، أو بكلماته التي أوحى بها في هذه الحال ، أو بأوامره للملائكة بالإمداد ، أو بنفوذ كلماته الصادقة بهلاكهم ، وَيَقْطَعَ دابِرَ الْكافِرِينَ أي : يستأصلهم ويقطع شوكتهم . ومعنى الآية : أنكم تريدون أن تصيبوا مالا ولا تلقوا مكروها ، واللّه يريد إعلاء الدين وإظهار الحق ، وما يحصل لكم من فوز الدارين . وإنما فعل ما فعل من سوقكم إلى القتال ؛ لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْباطِلَ أي : ليظهر الدين ويبطل الكفر . قال البيضاوي : وليس بتكرار ؛ لأن الأول لبيان المراد ، وما بينه وبين مرادهم من التفاوت ، والثاني لبيان الداعي إلى حمل الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم على اختيار ذات الشوكة وقصره عليها . ه . وقال ابن جزى : ليس تكرارا للأول ؛ لأن الأول مفعول يريد ، وهذا تعليل لفعل اللّه تعالى ، ويحتمل أن يريد بالحق الأول الوعد بالنصرة ، وبالحق الثاني الإسلام ، فيكون المعنى : أنه نصرهم ليظهر الإسلام ، ويؤيد هذا قوله : وَيُبْطِلَ الْباطِلَ أي : يبطل الكفر ، وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ ذلك ، فإن اللّه لا بد أن يظهر دينه على الدين كله ، ولو كره الكافرون .