ابن عجيبة
309
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
الإشارة : وعد الله المتوجهين إليه بالوصول إلى سر الخصوصية ، وهي الولاية ، لكن بعد المجاهدة والمحاربة للنفوس ؛ لأن الحضرة لا يدخلها إلا أهل التهذيب والتدريب ، وترى كثيرا من الناس يتمنون أن تكون لهم من غير حرب ولا قتال ، ويريد الله أن يحق الحق بكشف الحجب عن القلوب ، حتى لا يشاهدوا إلا الحق ، ويبطل الباطل ، وهو السّوى ، ولا يكون في العادة إلا بعد موت النفوس وتهذيبها وتطهيرها بالرياضة على شيخ عارف . قال الششتري مترجما عن لسان الحقيقة : إن ترد وصلنا فموتك شرط * لا ينال الوصال من فيه فضله ثم ذكر إمدادهم بالملائكة ، فقال : [ سورة الأنفال ( 8 ) : الآيات 9 إلى 10 ] إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ ( 9 ) وَما جَعَلَهُ اللَّهُ إِلاَّ بُشْرى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ( 10 ) قلت : ( إذ ) : بدل من ( إذ يعدكم ) ، أو متعلق بقوله : ( ليحق الحق ) ، أو باذكر . يقول الحق جل جلاله : واذكروا حين كنتم تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ وتدعون بالغوث والنصر ، وذلك أن الصحابة - رضي الله عنهم - لمّا علموا ألّا محيص لهم عن القتال أخذوا يقولون : ربنا انصرنا على عدوك ، يا غياث المستغيثين أغثنا . وعن عمر : رضى اللّه عنه ( أنه صلّى اللّه عليه وسلّم نظر إلى المشركين وهم ألف ، وإلى أصحابه وهم ثلاثمائة ، فاستقبل القبلة ومدّ يديه يدعوه : « اللهم أنجز لي ما وعدتني ، اللهمّ إن تهلك هذه العصابة لم تعبد في الأرض » ، فما زال كذلك حتى سقط رداؤه ، فقال أبو بكر : يا نبىّ اللّه ، كفاك مناشدتك ربّك ، فإنه سينجز لك ما وعدك ) « 1 » . وقد تقدم أن الأنبياء وكبراء الأولياء لا يقفون مع ظاهر الوعد والوعيد ، لسعة دائرة علمهم ، بل لا يزول اضطرارهم ، ولا يكون مع غير الله قرارهم ، ولعل ذلك الوعد يكون متوقفا على شروط أخفاها الحق تعالى ؛ لتظهر قهريته وانفراده بالعلم المحيط . ولما استغاثوا بالله وأظهروا الحاجة إليه أجابهم فقال : فَاسْتَجابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ ؛ مقويكم ومكثركم بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ يتبع بعضهم بعضا ، ويتبع المؤمنين ، فكانوا خلفهم ردءا لهم ، فمن قرأ بفتح الدال
--> ( 1 ) أخرجه مسلم في ( الجهاد - باب الإمداد بالملائكة في غزوة بدر ) .