ابن عجيبة
305
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
في الواجب والتطوع . أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا ؛ لأنّهم حققوا إيمانهم بأن ضموا إليه مكارم أعمال القلب ، من الخشية والإخلاص والتوكل ، ومحاسن أعمال الجوارح التي هي العيار عليها ، كالصلاة والصدقة ، لَهُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ أي : كرامات وعلو منزلة ، أو درجات الجنة يرتقونها بأعمالهم ، وَمَغْفِرَةٌ لما فرط من ذنوبهم ، وَرِزْقٌ كَرِيمٌ أعده لهم في الجنة ، لا ينقطع مدده ، ولا ينتهى أمده ، بمحض الفضل والكرم . الإشارة : الأنفال الحقيقة هي المواهب التي ترد على القلوب ، من حضرة الغيوب ؛ من العلوم اللدنية والأسرار الربانية ، لا تزال تتوالى على القلوب ، حتى تغيب عما سوى المحبوب ، فيستغنى غناء لا فقر معه أبدا ، وهذه غنائم خصوص الخصوص ، وغنائم الخصوص : هي القرب من الحبيب ، ومراقبة الرقيب ، بكمال الطاعة والجد والاجتهاد ، وهذه غنائم العباد والزهاد ، وغنائم عوام أهل اليمين : مغفرة الذنوب ، والستر على العيوب ، والنجاة من النار ، ومرافقة الأبرار ، وفي الحديث عنه صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال : « من قال عند نومه : أستغفر اللّه العظيم الذي لا إله إلّا هو الحىّ القيّوم وأتوب إليه ، غفر اللّه ذنوبه ، وإن كانت مثل زبد البحر ، وعدد الرمال وعدد أيّام الدّنيا » « 1 » . قال الشيخ زروق : وهذه هي الغنيمة الباردة ، وهذه الأمور بيد اللّه وبواسطة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وهو معنى قوله : قُلِ الْأَنْفالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ ، ثم دل على موجباتها فقال : فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكُمْ . . . الآية ، وقوله تعالى : زادَتْهُمْ إِيماناً : اعلم أن الإيمان على ثلاثة أقسام : إيمان لا يزيد ولا ينقص ، وهو إيمان الملائكة ، وإيمان يزيد وينقص ، وهو إيمان عامة المسلمين ، وإيمان يزيد ولا ينقص وهو إيمان الأنبياء والرسل ، ومن كان على قدمهم من العارفين الروحانيين الراسخين في علم اليقين ، ومن تعلق بهم من المريدين السائرين ، فهؤلاء إيمانهم دائما في الزيادة ، وأرواحهم دائما في الترقي في المعرفة ، يزيدون بالطاعة والمعصية ؛ لتيقظهم وكمال توحيدهم ، وفي الحكم : « وربما قضى عليك بالذنب فكان سبب الوصول » . وقال أيضا : « معصية أورثت ذلا وافتقارا خير من طاعة أورثت عزا واستكبارا » واللّه تعالى أعلم . ثم تكلم على الخروج إلى غزوة بدر ، فقال : [ سورة الأنفال ( 8 ) : الآيات 5 إلى 6 ] كَما أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكارِهُونَ ( 5 ) يُجادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ ما تَبَيَّنَ كَأَنَّما يُساقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ ( 6 )
--> ( 1 ) أخرجه الترمذي في ( الدعوات - باب 17 ) من حديث أبي سعيد رضى اللّه عنه .