ابن عجيبة
306
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
قلت : ( كما أخرجك ) : خبر عن مبتدأ محذوف ، أي : هذه الحال ، وهي عزلهم عن تولية الأنفال في كراهتهم لها ، كحال إخراجك في الحرب في كراهتهم لها ، أو حالهم في كراهية ما رأيت من تنفيلك للغزاة ، مثل حالهم في كراهية خروجك ، أو صفة لمصدر الفعل المقدر في قوله : لِلَّهِ وَالرَّسُولِ ، أي : الأنفال تثبت لله وللرسول صلّى اللّه عليه وسلّم ، مع كراهتهم ، ثباتا مثل ثبات إخراجك ربك من بيتك ، يعنى المدينة ؛ لأنها مسكنه أو بيته منها ، وجملة : ( وإن فريقا ) : حال من أخرجك ، أي : أخرجك في حال كراهية فريق من المؤمنين . يقول الحق جل جلاله لنبيه صلّى اللّه عليه وسلّم : قد كره أصحابك قسمتك للأنفال كما كرهوا إخراجك رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ لقتال العدو ، والحال أن فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكارِهُونَ خروجك لذلك ، وتلك الكراهية من قبل النفس وطبع البشرية ، لا من قبل الإنكار في قلوبهم لأمر اللّه ورسوله ، فإنهم راضون مستسلمون ، غير أن الطبع ينزع لحظه ، والعبد مأمور بمخالفته وجهاده . وذلك الفريق الذي كره خروجك للقتال يُجادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ أي : يخاصمونك في إيثارك الجهاد لإظهار الحق ، حيث أرادوا الرجوع للمدينة ، وقالوا : إنا لم نخرج لقتال ، قالوا ذلك بَعْدَ ما تَبَيَّنَ لهم أنهم منصورون أينما توجهوا ، بإعلام الرسول لهم ، لكن الطبع البشري ينزع إلى مواطن السلامة ، كَأَنَّما يُساقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ أي : يكرهون القتال كراهة من يساق إلى الموت ، وهو يشاهد أسبابه ، وكان ذلك لقلة عددهم وعدم تأهبهم ، إذ روى أنهم كانوا رجّالة ، وما كان فيهم إلا فارسان ، وذلك أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم لم يخرج لقصد الجهاد ، وإنما لملاقاة عير قريش ، لمّا سمع أنها قدمت من الشّام ، وفيها تجارة عظيمة ، ومعها أربعون راكبا ، فيهم أبو سفيان ، وعمرو بن العاص ، ومخرفة بن نوفل ، وعمرو بن هشام ، فأراد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أن يتعرض لها ويأخذها غنيمة ، حيث أخبره جبريل بقدومها من الشام ، فأخبر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم المسلمين ، فأعجبهم تلقيها ، لكثرة المال وقلة الرجال ، فلما خرجوا ، بلغ الخبر أبا سفيان ، فسلك بالعير طريق السّاحل ، واستأجر من يذهب إلى مكة يستنفرها ، فلما بلغهم خروج رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم لعيرهم ، نادى أبو جهل فوق الكعبة : يا أهل مكة ، النّجاء النجاء ، على كل صعب وذلول ، عيركم وأموالكم إن أصابها محمّد لن تفلحوا بعدها أبدا . وقد رأت ، قبل ذلك بثلاث ليال ، عاتكة بنت المطلب ، رؤيا ؛ وهو أن رجلا تمثل على جبل قبيس فنادى : يا آل لكع ، اخرجوا إلى مصارعكم ، ثم تمثل على الكعبة ، فنادى مثل ذلك ، ثم أخذ حجرا فضرب به ، فلم يبق بيت في مكة إلا دخله شئ من ذلك الحجر ، فحدثت بها العباس ، وبلغ ذلك أبا جهل ، فقال : أما ترضى رجالهم أن يتنبؤوا حتى تتنبأ نساؤهم ؟ لنتربص ثلاثا ، فإن لم يظهر ما تقول لنكتبن عليكم يا بني هاشم أنكم أكذب بيت في العرب ، فلما مضت ثلاث ليال جاء رسول أبي سفيان ليستنفرهم .