ابن عجيبة

30

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

أن تنزل نار من السماء فتأكل القربان المقبول ، وإن لم يقبل لم تنزل ، فنزلت نار من السماء فأكلت قربان هابيل ، وتركت قربان قابيل ، فحسذه ، وقال له : لَأَقْتُلَنَّكَ ، حسدا على تقبل قربانه دونه ، فقال له أخوه : إِنَّما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ الكفر ، أي : إنما أوتيت من قبل نفسك بترك التقوى ، لا من قبلي ، فلم تقتلني ؟ قال البيضاوي : وفيه إشارة إلى أن الحاسد ينبغي أن يرى حرمانه من تقصيره ، ويجتهد في تحصيل ما به صار المحسود محظوظا ، لا في إزالة حظه ، فإن ذلك مما يضره ولا ينفعه ، وأن الطاعة لا تقبل إلا من مؤمن متقى . ه . وفيه نظر : فإن تقوى المعاصي ليست شرطا في قبول الأعمال بإجماع أهل السنة ، إلا أن يحمل على تقوى الرياء والعجب . انظر الحاشية . ثم قال له أخوه هابيل : لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي ما أَنَا بِباسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخافُ اللَّهَ رَبَّ الْعالَمِينَ أي : لئن بدأتنى بالقتل لم أبدأك به ، أو لم أدفعك عنى ، وهل تركه للدفع تورع ، وهو الظاهر ، أو كان واجبا عندهم ، وهو قول مجاهد ؟ وأما في شرعنا : فيجوز الدفع ، بل يجب ، قاله ابن جزى . وقال البيضاوي : قيل : كان هابيل أقوى منه ، فتحرج عن قتله ، واستسلم له خوفا من اللّه ، لأن الدفع لم يبح بعد ، أو تحريا لما هو الأفضل . قال صلّى اللّه عليه وسلّم : « كن عبد اللّه المقتول ، ولا تكن عبد اللّه القاتل » « 1 » . وإنما قال : ( ما أنا بباسط ) في جواب ( لئن بسطت ) ؛ للتبرى من هذا الفعل الشنيع ، والتحرز من أن يوصف به ، ولذلك أكد النفي بالباء . ه . ثم قال له هابيل : إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحابِ النَّارِ أي : إني أريد بالاستسلام وعدم الدفع أن تنقلب إلى اللّه ملتبسا بإثمي ، أي : حاملا لإثمى لو بسطت إليك يدي ، وإثمك ببسطك يديك إلىّ ، ونحوه قوله صلّى اللّه عليه وسلّم : « المستبّان ما قالا فعلى البادئ منهما ما لم يعتد المظلوم » « 2 » . أو بإثم قتلى وبإثمك الذي لم يتقبل من أجله قربانك ، أو بسائر ذنوبي فتحملها عنى بسبب قتلك لي ؛ فإن الظالم يجعل عليه يوم القيامة ذنوب المظلوم ثم يطرح في النار ، ولذلك قال : وَذلِكَ جَزاءُ الظَّالِمِينَ ، يحتمل أن يكون من كلام هابيل ، أو استئناف من كلام اللّه تعالى ، أي : جزاؤهم يوم القيامة أن يحملوا أوزار المظلومين ، ثم يطرحون في النار ، كما في حديث المفلس . ولم يرد هابيل بقوله : إِنِّي أُرِيدُ ، أنه يحب معصية أخيه وشقاوته ، بل قصد بذلك الكلام أنه إن كان القتل لا محالة واقعا فأريد أن يكون لك لا لي ، والمقصود بالذات : ألا يكون له ، لا أن يكون لأخيه . ويجوز أن يكون المراد بالإثم عقوبته . وإرادة عقاب العاصي جائزة . قاله البيضاوي . فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ أي : سهلت له ووسعته ولم تضق منه ، أو طاوعته عليه وزينته له ، فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخاسِرِينَ دينا ودنيا ، فبقى مدة عمره مطرودا محزونا . قال السدى : لما قصد قابيل قتل هابيل ،

--> ( 1 ) أخرجه بنحوه أحمد في المسند ( 5 / 110 ) من حديث خباب بن الأرت . ( 2 ) أخرجه مسلم في ( البر والصلة ، باب النهى عن السباب ) عن أبي هريرة رضي اللّه عنه ، ومعنى الحديث : أن إثم السباب الواقع من اثنين مختص بالبادىء منهما كله ، إلا أن يتجاوز الثاني قدر الانتصار فيقول للبادئ أكثر مما قاله له .