ابن عجيبة
31
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
راغ هابيل في رؤوس الجبال ، ثم أتاه يوما من الأيام ، فوجده نائما فشدخ رأسه بصخرة فمات ، وقال ابن جريج : لم يدر قابيل كيف يقتل هابيل ؟ فتمثل له إبليس ، وأخذ طيرا فوضع رأسه على حجر ، ثم شدخه بحجر آخر ، وقابيل ينظر ، فعلمه القتل ، فوضع رأس أخيه على حجر وشدخه بحجر آخر . وكان لهابيل يوم قتل عشرون سنة ، وقبره قيل : عند عقبة حراء ، وقال ابن عباس : عند ثور ، وقال جعفر الصادق : بالبصرة ، في موضع المسجد الأعظم . الإشارة : قد تضمنت هذه الآية من طريق الإشارة ثلاث خصال ، يجب التحقق بها على كل مؤمن متوجه إلى اللّه تعالى : أولها : التطهير من رذيلة الحسد ، الذي هو أول معصية ظهرت في السماء والأرض ، وقد تقدم الكلام عليه في النساء « 1 » ، الثانية : التطهير من الشرك الجلى والخفي ، والتغلغل في التبري من الذنوب التي توجب عدم قبول الأعمال ، ويتحصل ذلك بتحقيق الإخلاص ، والثالثة : عدم الانتصار للنفس والدفع عنها إلا فيما وجب شرعا ، فقد قالوا : ( الصوفي دمه هدر ، وماله مباح ) ؛ فلا ينتصر لنفسه ولو بالدعاء ، فإما أن يسكت ، أو يدعو لظالمه بالرحمة والهداية ، حتى يأخذ اللّه بيده اقتداء برسوله صلّى اللّه عليه وسلّم ، حيث قال : « اللهم اغفر لقومي فإنّهم لا يعلمون » . ولمّا قتل قابيل أخاه ، لم يدر ما يفعل به ؛ لأنه أول من مات من بني آدم ، فعلّمه اللّه كيفية دفنه ، فقال : [ سورة المائدة ( 5 ) : آية 31 ] فَبَعَثَ اللَّهُ غُراباً يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ قالَ يا وَيْلَتى أَ عَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هذَا الْغُرابِ فَأُوارِيَ سَوْأَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ ( 31 ) قلت : ( ليريه ) أي : يعلمه ، وضمير الفاعل يعود على « اللّه » أو الغراب ، و ( كيف ) : حال من الضمير في ( يوارى ) والجملة مفعول ثان ليرى ، أي : ليعلمه اللّه ، أو الغراب ، كيفية مواراة أخيه ، و ( يا ويلتا ) : كلمة جزع وتحسر ، والألف فيها بدل من ياء المتكلم ، كيا حسرتا ويا أسفا ، و « أصبح » هنا بمعنى صار . يقول الحق جل جلاله : فَبَعَثَ اللَّهُ غُراباً يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ أي : يحفر فيها ، لِيُرِيَهُ أي : اللّه ، أو الغراب ، كَيْفَ يُوارِي أي : يستر سَوْأَةَ أَخِيهِ أي : جسده ؛ لأنه مما يستقبح أن يرى ، وخصت بالذكر لأنها أحق بالستر من سائر الجسد ، فعلّم اللّه قابيل كيف يصنع بأخيه ؛ لأنه لم يدر ما يصنع به ، إذ هو أول ميت مات من بني آدم ، فتحير في أمره ، فبعث اللّه غرابين فاقتتلا ، فقتل أحدهما الآخر ، فحفر له بمنقاره ورجليه ، ثم ألقاه في الحفرة وغطاه بالتراب . قال قابيل لما رأى ذلك : يا وَيْلَتى أَ عَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هذَا الْغُرابِ فَأُوارِيَ سَوْأَةَ أَخِي فأهتدى إلى ما اهتدى إليه ، فحفر لأخيه ودفنه فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ على قتله ؛ لما كابد فيه من التحير في أمره ، وحمله على رقبته سنة أو أكثر ، وتلمذة الغراب له ، واسوداد لونه ، وتبرى أبويه منه ، إذ روى أنه لما قتله اسود وجهه ،
--> ( 1 ) عند إشارة الآية 54 .