ابن عجيبة

292

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

ثم أمر نبيه صلّى اللّه عليه وسلّم بالاعتراف بالتقصير عن علم الغيب ، الذي اختص اللّه به ؛ كعلم الساعة وغيرها ، فقال : [ سورة الأعراف ( 7 ) : آية 188 ] قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلا ضَرًّا إِلاَّ ما شاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَما مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلاَّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ( 188 ) قلت : « وما مسني السوء » : عطف على « استكثرت » ، أي : لو علمت الغيب لاستكثرت الخير واحترست من السوء ، أو استئناف ، فيوقف على ما قبله ، ويراد حينئذ بالسوء : الجنون ، والأول أحسن ؛ لاتصاله بما قبله ، و ( لقوم ) : يجوز أن يتعلق ببشير ونذير ، أي : أبشر المؤمنين وأنذرهم ، وخصهم بالبشارة والنذارة لانتفاعهم بهما ، ويجوز أن يتعلق بالبشارة وحدها ، فيوقف على ( نذير ) ، ويكون المتعلق بنذير محذوف ، أي : نذير للكافرين ، والأول أحسن . قاله ابن جزى . يقول الحق جل جلاله : قُلْ لهم يا محمد : أنا لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلا ضَرًّا أي : لا أجلب لها نفعا ولا أدفع عنها ضررا ، إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ من ذلك ، فيعلمنى به ، ويوقفني عليه ، وهو إظهار للعبودية والتبري من ادعاء العلم بالغيوب ، وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَما مَسَّنِيَ السُّوءُ أي : لو كنت أعلم ما يستقبلنى من الأمور المغيبة ؛ كشدائد الزمان وأهواله ، لاستعددت له قبل نزوله باستكثار الخير والاحتراس من الشر ، حتى لا يمسنى سوء ، إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ أي : ما أنا إلا عبد مرسل بالإنذار والبشارة لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ؛ فإنهم المنتفعون بهما ، أو نذير لمن خالفني بالعذاب الأليم ، وبشير لمن تبعني بالنعيم المقيم . الإشارة : العبودية محل الجهل وسائر النقائص ، والربوبية محل العلم وسائر الكمالات ، فمن آداب العبد أن يعرف قدره ، ولا يتعدى طوره ، فإن ورد عليه شيء من الكمالات فهو وارد من اللّه عليه ، وإن ورد عليه شئ من النقائص فهو أصله ومحله ، فلا يستوحش منه ، وكان شيخنا يقول : إن علمنا فمن ربنا ، وإن جهلنا فمن أصلنا وفصلنا . أو كلام هذا معناه ، فالاستشراف إلى الاطلاع على علم الغيوب من أكبر الفضول ، وموجب للمقت من علام الغيوب . واللّه تعالى أعلم . ثم ذكر أصل النشأة ، ليدل على نقص العبد وجهله ، فقال : [ سورة الأعراف ( 7 ) : الآيات 189 إلى 190 ] هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْها زَوْجَها لِيَسْكُنَ إِلَيْها فَلَمَّا تَغَشَّاها حَمَلَتْ حَمْلاً خَفِيفاً فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُما لَئِنْ آتَيْتَنا صالِحاً لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ ( 189 ) فَلَمَّا آتاهُما صالِحاً جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما فَتَعالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ ( 190 )