ابن عجيبة
293
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
يقول الحق جل جلاله : هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ ؛ آدم عليه السّلام ، وَجَعَلَ مِنْها زَوْجَها أي : خلق من ضلعها زوجها حواء ، سلها منه وهو نائم ، لِيَسْكُنَ إِلَيْها ؛ ليستأنس بها ، ويطمئن بها اطمئنان الشيء إلى جزئه أو جنسه . فَلَمَّا تَغَشَّاها أي : جامعها حين ركبت فيه الشهوة ، حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفاً أي : خف عليها ، ولم تلق منه ما تلقى بعض الحبالى من حملهن من الأذى والكرب ، أو حملا خفيفا ، يعنى النطفة قبل تصورها ، فَمَرَّتْ بِهِ أي : ذهبت وجاءت به ، مخففة ، واستمرت إلى حين ميلاده ، فَلَمَّا أَثْقَلَتْ أي : ثقل حملها وصارت به ثقيلة لكبره في بطنها ، دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُما آدم وحواء ، قائلين : لَئِنْ آتَيْتَنا ولدا صالِحاً أي : سويا سالما في بدنه ، تام الخلقة ، لَنَكُونَنَّ لك مِنَ الشَّاكِرِينَ على هذه النعمة المجددة . فَلَمَّا آتاهُما ولدا صالِحاً كما سألا ، جعل أولادهما لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما ، فسموا عبد العزى وعبد مناف وعبد الدار . فالآية إخبار بالغيب في أحوال بني آدم ممن كفر منهم وأشرك ، ولا يصح في آدم وحواء هذا الشرك ؛ لعصمة الأنبياء ، وهذا هو الصحيح . وقد يعاتب الملك الأب على ما فعل أولاده ، كما إذا خرجوا عن طاعته فيقول له : أولادك فعلوا وفعلوا ، على عادة الملوك . وقيل : لما حملت حواء أتاها إبليس في صورة الرجل ، فقال لها : وما يدريك ما في بطنك لعله بهيمة أو كلب ، وما يدريك من أين يخرج ؟ فخافت من ذلك ، ثم قال لها : إن أطعتينى ، وسميته عبد الحارث ، فسأخلصه لك ، وكان اسم إبليس في الملائكة : الحارث ، وإن عصيتني قتلته ، فأخبرت بذلك آدم ، فقال لها : إنه عدونا الذي أخرجنا من الجنة ، فلما ولدت مات الولد ، ثم حملت مرة أخرى ، فقال لها إبليس مثل ذلك ، فعصته ، فلما ولدت مات الولد ، ثم حملت مرة ثالثة ، فسمياه عبد الحارث ؛ طمعا في حياته « 1 » ، فقوله : جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما أي : في التسمية لا غير ، لا في عبادة غير اللّه . والقول الأول أصح ، لثلاثة أوجه : أحدها : أنه يقتضى براءة آدم وحواء من الشرك ، قليله وكثيره ، وذلك هو حال الأنبياء - عليهم السلام - . والثاني : أنّ جمع الضمير في قوله : فَتَعالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ ، يقتضى أن الشرك وقع من أولادهما ، لا منهما . الثالث : أن هذه القصة تفتقر إلى نقل صحيح ، وهو غير موجود . انظر : ابن جزى . الإشارة : قال الورتجبي : في قوله لِيَسْكُنَ إِلَيْها : لم يجد آدم عليه السّلام في الجنة إلاسنا تجلى الحق ، فكاد أن يضمحل بنور التجلي ، لتراكمه عليه ، فعلم اللّه - سبحانه - أنه لا يتحمل أثقال التجلي ، وعرف أنه يذوب في نور
--> ( 1 ) هذه القصة يظهر عليها أنها من آثار أهل الكتاب ، وقد أعلّها أهل الحديث ، رغم ورودها في كتب الحديث وغيرها . راجع تفسير : ابن كثير ( 2 / 275 ) ، والإسرائيليات والموضوعات للشيخ أبى شهبة ( 179 ) . والآية تتحدث عن ( نمط ) في السلوك البشرى ، وترسم نموذجا لأي زوجين بشريين يريدان الإنجاب من اللّه - بإلحاح ، وعندما يعطيهما اللّه تعالى ما سألاه ، ينسبان ذلك لغير اللّه تعالى .