ابن عجيبة

29

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

[ سورة المائدة ( 5 ) : الآيات 27 إلى 30 ] وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبا قُرْباناً فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِما وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قالَ إِنَّما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ ( 27 ) لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي ما أَنَا بِباسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخافُ اللَّهَ رَبَّ الْعالَمِينَ ( 28 ) إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحابِ النَّارِ وَذلِكَ جَزاءُ الظَّالِمِينَ ( 29 ) فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخاسِرِينَ ( 30 ) قلت : الضمير في ( عليهم ) : لبنى إسرائيل ؛ لتقدم شأنهم ، ولاختصاصهم بعلم قصة ابني آدم ، ولإقامة الحجة عليهم بهمهم ببسط اليد إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم . يقول الحق جل جلاله : وَاتْلُ عَلَيْهِمْ أي : على بني إسرائيل ؛ إذ الكلام كان معهم ، أو على جميع الأمة ، أو على جميع الناس ، إذ هو أول الكلام على بقية حفظ الأبدان - نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ وهو قابيل وهابيل بِالْحَقِّ أي : تلاوة ملتبسة بالحق ، أو نبأ ملتبسا بالحق موافقا لما في كتب الأوائل . إِذْ قَرَّبا قُرْباناً فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِما وهو هابيل ، وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ وهو قابيل ، وسبب تقريبهما القربان أن آدم - عليه السّلام - كان يولد له من حواء توأمان في كل بطن : غلام وجارية ، إلا شيتا ، فإنه ولد منفردا ، وكان جميع ما ولدته حواء أربعين ، بين ذكر وأنثى ، في عشرين بطنا ، أولهم قابيل ، وتوأمته أقليما ، وآخرهم عبد المغيث ، ثم بارك اللّه في نسل آدم . قال ابن عباس : لم يمت آدم حتى بلغ ولده ، وولد ولده ، أربعين ألفا ، ورأى فيهم الزنا وشرب الخمر والفساد ، وكان غشيان آدم لحواء بعد مهبطهما إلى الأرض ، وقال ابن إسحاق عن بعض العلماء بالكتاب الأول : إن آدم كان يغشى حواء في الجنة ، قبل أن يصيب الخطيئة ، فحملت في الجنة بقابيل وتوأمته ، ولم تجد عليهما وحما ولا غيره ، وحملت في الأرض بهابيل وتوأمته ، فوجدت عليهما الوحم والوصب والطلق والدم . وكان آدم إذا كبر ولده يزوج غلام هذا البطن بجارية بطن آخر ، فكان الرجل يتزوج أىّ أخواته شاء إلا توأمته ، لأنه لم يكن نساء يومئذ ، فأمر اللّه تعالى آدم أن يزوج قابيل لوداء توأمة هابيل ، وينكح هابيل أقليما أخت قابيل ، وكانت أحسن الناس ، فرضى هابيل وسخط قابيل ، وقال : أختي أحسن ، وهي من ولادة الجنة ، وأنا أحق بها ، فقال له أبوه : لا تحل لك ، فأبى ، فقال لهما آدم : قربا قربانا ، فأيكما قبل قربانه فهو أحق بها . وكان قابيل صاحب زرع ، فقرّب حملا من زرع ردئ ، وأضمر في نفسه : لا أبالي قبل أو لا ، لا يتزوج أختي أبدا ، وكان هابيل صاحب غنم ، فقرّب أحسن كبش عنده ، وأضمر في نفسه الرضا لله تعالى ، وكانت العادة حينئذ