ابن عجيبة
274
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
بالاصطياد في يوم السبت ، وكان حراما عليهم لاشتغالهم عنه بالعبادة ، إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعاً : ظاهرة على وجه الماء ، دانية منهم ، وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ بل تغوص كلها في البحر ، كَذلِكَ أي : مثل هذا البلاء الشديد نَبْلُوهُمْ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ أي : بسبب فسقهم . وقيل : « كذلك » : متصل بما قبله ، أي : لا تأتيهم مثل ذلك الإتيان الذي تأتيه يوم السبت . ثم افترقت بنو إسرائيل ثلاث فرق : فرقة عصت بالصيد يوم السبت ، وفرقة نهت عن ذلك واعتزلت القوم ، وفرقة سكتت واعتزلت فلم تنه ولم تعص . وَإِذْ قالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ ، وهي التي لم تنه ولم تعص ، لمّا رأت مهاجرة الناهية وطغيان العاصية : لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ بالموت بصاعقة ، أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذاباً شَدِيداً في الآخرة ؟ قالُوا : نهينا لهم مَعْذِرَةً إِلى رَبِّكُمْ أي : عذرا إلى اللّه تعالى ، حتى لا تنسب إلى تفريط في النهى عن المنكر ، وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ فينزجرون عن العصيان ، إذ اليأس منهم لا يحصل إلا بالهلاك . فَلَمَّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ أي : تركوا ما وعظوا به ترك الناسي ، أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا ؛ بالاعتياد ومخالفة أمر اللّه ، بِعَذابٍ بَئِيسٍ : شديد ، من بؤس يبؤس بؤسا ، وقرىء ( بيئس ) على وزن ضيغم ، و « بئس » بالكسر والسكون ، كحذر ، وبيس بتخفيف الهمزة ، ومعناها واحد ، أي : بما عاقبناهم بالمسخ ، بِما كانُوا يَفْسُقُونَ أي : بسبب فسقهم . قال ابن عباس : لا أدرى ما فعل بالفرقة الساكتة ؟ وقال عكرمة : لم تهلك ؛ لأنها كرهت ما فعلوه . ورجع إليه ابن عباس وأعجبه ، لأن كراهيتها تغيير المنكر في الجملة ، مع قيام الفرقة الناهية به ؛ لأنه فرص كفاية . قال تعالى : فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ ما نُهُوا عَنْهُ ؛ تكبرا عن ترك ما نهوا عنه ، قُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ أذلاء صاغرين . قال البيضاوي : قُلْنا لَهُمْ كُونُوا ، هو كقوله : إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ « 1 » ، والظاهر يقتضى أن اللّه تعالى عذّبهم أولا بعذاب شديد ، فعتوا بعد ذلك ، فمسخهم قردة وخنازير ، ويجوز أن تكون الآية الثانية تقريرا وتفصيلا للأولى . روى أن الناهين لما أيسوا عن اتعاظ المعتدين ، كرهوا مساكنتهم ، فقسموا القرية بجدار فيه باب مطروق ، فأصبحوا يوما ولم يخرج إليهم أحد من المعتدين ، فقالوا : إن لهم شأنا ، فدخلوا عليهم فإذا هم قردة ، فلم يعرفوا أنسباءهم ، ولكن القردة تعرفهم ، فجعلت تأتى أنسباءهم وتشم ثيابهم ، وتدور باكية حولهم ، ثم ماتوا بعد ثلاثة أيام . ه . الإشارة : المسخ على ثلاثة أقسام : مسخ الأشباح ، ومسخ القلوب ، ومسخ الأرواح ، فمسخ الأشباح هو الذي وقع لبنى إسرائيل ، قيل : إنه مرفوع عن هذه الأمة ، والصحيح : أنه يقع في آخر الزمان ، ومسخ القلوب يكون بالانهماك
--> ( 1 ) الآية 40 من سورة النحل .