ابن عجيبة

275

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

في الذنوب ، والإصرار على المعاصي ، وعلامته : الفرح بتيسير العصيان ، وعدم التأسف على ما فاته من الطاعة والإحسان ، ومسخ الأرواح : الانهماك في الشهوات ، والوقوف مع ظواهر الحسيات ، أو تكثيف الحجاب ، والوقوف مع العوائد والأسباب ، دون مشاهدة رب الأرباب . واللّه تعالى أعلم . ثم ذكر عقوبة بني إسرائيل في الدنيا ، فقال : [ سورة الأعراف ( 7 ) : آية 167 ] وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذابِ إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ( 167 ) قلت : تأذن : أعلم ، وهي تفعل ، وهي من الإيذان بمعنى الإعلام ، كتوعّد وأوعد ، أو : عزم ، لأن العازم على الشيء يؤذن نفسه بفعله ، وأجرى مجرى القسم كعلم اللّه وشهد اللّه ، ولذلك أجيب باللام القسمية . يقول الحق جل جلاله : وَ اذكروا إِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ أي : أعلم وأظهر ذلك في عالم الشهادة ، لَيَبْعَثَنَّ على بني إسرائيل ، أي : ليسلطن عَلَيْهِمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذابِ ؛ كالإذلال وضرب الجزية ، وقد بعث اللّه عليهم بعد سليمان عليه السّلام بختنصر ، فخرب ديارهم ، وقتل مقاتلتهم ، وسبى نساءهم وذراريهم ، وضرب الجزية على من بقي منهم ، وكانوا يؤدونها إلى المجوس ، حتى بعث اللّه نبينا محمدا صلّى اللّه عليه وسلّم ففعل بهم ما فعل ، في بني قريظة والنضير وخبير ، ثم ضرب اللّه عليهم الجزية إلى آخر الدهر ، إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقابِ فعاقبهم في الدنيا ، وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ لمن تاب وآمن ، وإنما أكد هنا الخبر باللام دون ما في آخر الأنعام « 1 » ، لأن ما هنا في اليهود ، وما في آخر الأنعام في المؤمنين ، فأكد ما هنا باللام ، فقال : لَسَرِيعُ الْعِقابِ ؛ زيادة في توبيخهم ونكالهم . الإشارة : مواطن الذل والهوان هو الانهماك في المخالفة والعدوان ، وقد ينسحب ذلك في الذرية إلى آخر الزمان ، فإن اللّه تعالى يقول : أنا الملك الودود ، أعاقب الأحفاد بمعاصي الجدود ، ومواطن العز والحرمة والأمان : هو الطاعة والتعظيم والإحسان ، ينسحب ذلك على الأحفاد ، إلى منتهى الزمان ، فإن اللّه تعالى يحفظ الأولاد ببركة الأجداد . وقد تذاكر بعض التابعين ما يكون في آخر الزمان من الفتن والفساد ، فقال بعضهم : يا ليتني كنت عقيما أو لم أتزوج ، فقال له من هو أكبر منه : ألا أدلك على ما يحفظ اللّه به عقبك ؟ قال : نعم ، دلني ، قال : قوله تعالى : وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعافاً . . . الآية « 2 » . وبالله التوفيق .

--> ( 1 ) في قوله تعالى : إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ الآية الأخيرة من سورة الأنعام . ( 2 ) الآية 9 من سورة النساء .