ابن عجيبة

267

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ صلّى اللّه عليه وسلّم النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ وهو نبينا ومولانا محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ، وكونه أميا شرف له ، إذ الكتابة وسيلة للعلوم ، وقد أعطى منها ما لم يعط أحد من العالمين ، من غير تعب تعلمها ، ولارتفاع الارتياب في نبوته صلّى اللّه عليه وسلّم ، فهي من جملة معجزاته ؛ قال تعالى : وَما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ . . . الآية « 1 » . قال بعضهم : لما قال اللّه تعالى : وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ طمع فيها كل أحد ، حتى إبليس ، فلما قال : فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ يئس إبليس ، وبقيت اليهود والنصارى ، فلما قال : الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ يئس اليهود والنصارى . ه . الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ اسما وصفة ، ونص ما في التوراة على ما في صحيح البخاري ، عن عبد اللّه بن سلام : « يا أيّها النبىّ إنّا أرسلناك شاهدا ومبشّرا ونذيرا ، وحرزا للأمّيين ، أنت عبدي ورسولي ، سمّيتك المتوكل ، ليس بفظ ولا غليظ ولا صخّاب في الأسواق ، ولا يجازى بالسّيّئة السّيّئة ، ولكن يعفو ويصفح ، ولن يقبضه اللّه حتّى يقيم به الملّة العوجاء ؛ بأن يقولوا : لا إله إلّا اللّه ، فيفتح بها أعينا عميا ، وآذانا صمّا ، وقلوبا غلفا » « 2 » . ومما في التوراة أيضا ، وهو مما أجمع عليه أهل الكتاب ، وهو باق في أيديهم إلى الآن ؛ أن الملك قد نزل على إبراهيم ، فقال له : في هذا العام يولد لك غلام اسمه إسحاق ، فقال إبراهيم : يا رب ليت إسماعيل يعيش يخدمك ، فقال اللّه لإبراهيم : ذلك لك ، قد استجيب لك في إسماعيل ، وأنا أباركه ، وأنميه ، وأكثره ، وأعظمه بماذماذ ، وتفسيره : محمد صلّى اللّه عليه وسلّم . ومن ذلك مما في التوراة أيضا : أن الرب - تعالى - جاء من طور سيناء ، وطلع على « ساغين » ، وظهر من جبل فاران ، ويعنى بطور سيناء : موضع مناجاة موسى ، وساغين موضع عيسى ، وفاران هي مكة ، موضع مولد نبينا محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ، وفي التوراة أيضا : أن هاجر أم إسماعيل لما غضبت عليها سارة ، تراءى لها ملك ، فقال لها : يا هاجر ، أين تريدين ، ومن أين أقبلت ؟ فقالت : أهرب من سيدتي سارة ، فقال لها : يا هاجر ، ارجعي إلى سارة ، وستحملين وتلدين ولدا اسمه إسماعيل ، وهو يكون عين الناس ، وتكون يده فوق الجميع ، وتكون يد الجميع مبسوطة إليه بالخضوع . ه . وهذا الذي وعدها الملك إنما ظهر بمبعث النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وظهور دينه وعلو مكانه ، ولم يكن ذلك لإسماعيل ولا لغيره من أولاده ، لكن الأصل يشرف بشرف فرعه ، وفي التوراة أيضا : أن اللّه أوحى إلى إبراهيم عليه السّلام : قد أجبت دعاءك في إسماعيل ، وباركت عليه ، وسيلد اثنى عشر عظيما ، وأجعله لأمة عظيمة . وفي بعض كتبهم : لقد

--> ( 1 ) الآية 48 من سورة العنكبوت . ( 2 ) أخرجه البخاري في ( تفسير سورة الفتح ، باب : « إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا » ) من حديث عبد اللّه بن عمرو بن العاص .