ابن عجيبة
268
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
تقطعت السماء من بهاء محمد المحمود ، وامتلأت الأرض من حمده ، لأنه ظهر بخلاص أمته . ه . ونص ما في الإنجيل : أن المسيح قال للحواريين : إني ذاهب عنكم ، وسيأتيكم الفارقليط ، الذي لا يتكلم من قبل نفسه ، إنما يقول كما يقال له . ه . والفارقليط بالعبرانية : اسم محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ، وقيل معناه : الشافع المشفع . وعن شهر بن حوشب - في قصة إسلام كعب الأحبار ، وهو من اليمن من حمير - : أن كعبا أخبره بأمره ، وكيف كان ذلك ، وكان أبوه من مؤمني أهل التوراة برسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، قبل ظهوره ، قال كعب : وكان أبى من أعلم الناس بالتوراة وكتب الأنبياء ، ولم يكن يدخر عنى شيئا مما كان يعلم ، فلما حضرته الوفاة دعاني فقال : يا بنى ، قد علمت أنى لم أكن أدخر عنك شيئا مما كنت أعلم ، إلا أنى حبست عنك ورقتين فيهما ذكر نبي يبعث ، وقد أطل زمانه ، فكرهت أن أخبرك بذلك ، فلا آمن عليك بعد وفاتي أن يخرج بعض هؤلاء الكذابين فتتبعه ، وقد قطعتهما من كتابي ، وجعلتهما في هذه الكوة التي ترى ، وطينت عليهما ، فلا تتعرض لهما حتى يخرج هذا النبي ، فإذا خرج فاتبعه وانظر فيهما ، فإن اللّه تعالى يزيدك بهذا خيرا ، فلما مات والدي لم يكن شئ أحب إلى من أن ينقضى المأتم حتى أنظر ما في الورقتين ، فإذا فيهما : « محمد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، خاتم النبيين لا نبي بعده ، مولده بمكة ، ومهاجره طيبة ، ليس بفظ ولا غليظ ولا صخاب في الأسواق ، ولا يجزى بالسيئة السيئة ، ولكن يجزى بالسيئة الحسنة ، ويعفو ويغفر ويصفح ، أمته الحمّادون ، الذين يحمدون اللّه على كل شرف وعلى كل حال ، وتذلل ألسنتهم بالتكبير ، وينصر اللّه نبيهم على كل من ناوأه ، يغسلون فروجهم بالماء ، ويتأزرون على أوساطهم ، وأناجيلهم في صدورهم ، ويأكلون قربانهم في بطونهم ، ويؤجرون عليها ، وتراحمهم بينهم تراحم بنى الأم والأب ، وهم أول من يدخل الجنة يوم القيامة من الأمم ، وهم السابقون المقربون ، والشافعون المشفع فيهم » . « 1 » . ثم أسلم على يد عمر بن الخطاب رضى اللّه عنه . قال الحق جل جلاله في بقية أوصاف نبينا - عليه الصلاة السلام - : يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ ، وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ مما حرم على اليهود ؛ كالشحوم وغيرها ، وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ كالدم ولحم الخنزير وسائر الخبائث ، أو كالربا والرشوة وغيرهما من المحرمات . قال ابن جزى : مذهب مالك أن الطيبات هي الحلال ، وأن الخبائث هي الحرام . ومذهب الشافعي : أن الطيبات هي المستلذات ، إلا ما حرمه الشرع منها ، كالخمر والخنزير ، وأن الخبائث هي المستقذرات كالخنافس والعقارب . ه . وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ أي : الثقل الذي عليهم ، وهو مثال لما كلفوا به - أي : بنو إسرائيل - في شرعهم من المشقات ؛ كقتل الأنفس في التوبة ، وقطع موضع النجاسة من الثوب ، وتعيين القصاص في العمد والخطأ . « 2 »
--> ( 1 ) أخرجه بنحوه مختصرا الدارمي في ( المقدمة - باب صفة النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ) والبغوي في تفسيره ، ( 3 / 289 ) وابن سعد في الطبقات 1 / 360 . ( 2 ) من هنا يبدأ سقط كبير في المخطوطة الأصلية سيستمر حوالي عشرين صفحة .