ابن عجيبة

266

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

الإشارة : السلامة من العطب هو في مقام الهيبة والأدب ، ولذلك قيل : قف بالبساط ، وإياك والانبساط . وأما مقام الإدلال فلا يصح إلا من أكابر الأنبياء ، والأولياء المحققين بمقام المحبوبية ، المتحفين بغاية الخصوصية ، ومنه قول سيدنا موسى عليه السّلام : أَ تُهْلِكُنا بِما فَعَلَ السُّفَهاءُ مِنَّا ، كما قال في الإحياء . والإدلال : هو انبساط يثور من مقام الأنس والتحقق بالمحبة الخاصة ، ولا يتفق إلا من محبوب مأخوذ عنه ، ليس عليه بغية من نفسه ، ولا شعور بوجوده وأنانيته ، وإلا ردّ في وجهه وكان سبب عطبه . ومن الإدلال : ما وقع لأبي الحسن الشاذلي رضى اللّه عنه في حزبه الكبير ، من قوله : وليس من الكرم ألا تحسن إلا لمن أحسن إليك . . . إلخ . وقد وقع لغيره من المحبوبين . واللّه تعالى أعلم . ثم أجاب الحق - سبحانه وتعالى - سؤال موسى عليه السّلام في قوله : ( واكتب لنا في هذه الدنيا حسنة ) فقال : قالَ عَذابِي أُصِيبُ . . . يقول الحق جل جلاله : في جواب سيدنا موسى عليه السّلام : قالَ عَذابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشاءُ ممن أخذته الرجفة وغيرهم ، وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ في الدنيا للمؤمنين والكافرين ، وفي الآخرة مخصوصة بالمؤمنين ، فَسَأَكْتُبُها كتابة خاصة لا تليق بكم يا بني إسرائيل ، إنما تليق بالأمة المحمدية الموسومة بالآداب المرضية ، الذين يَتَّقُونَ الكفر والمعاصي ، وإن وقعت هفوة بادروا إلى التوبة ، وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ ، خصصها بالذكر لأنها كانت أشق عليهم . وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِنا يُؤْمِنُونَ فلا يكفرون بشئ منها ، بل يؤمنون بجميع الكتب والأنبياء ، وليس ذلك لغيرهم . ولذلك خصهم اللّه بهذه الرحمة ؛ فنصرهم على جميع الأمم ، وأعلى دينهم على جميع الأديان ، ومكّن لهم مالم يمكن لغيرهم .