ابن عجيبة
265
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
يقول الحق جل جلاله : وَاخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ من قومه سَبْعِينَ رَجُلًا يعتذرون عن قومهم في عبادة العجل ، لِمِيقاتِنا الذي وقتنا لهم يأتون إليه ، وقيل : إن اللّه تعالى أمره به بأن يأتيه في سبعين من بني إسرائيل ، فاختار من كل سبط ستة ، فزاد على السبعين اثنان ، فقال : يتخلف منكم رجلان ، فتشاجروا ، فقال : إن لمن قعد أجر من خرج ، فقعد كالب ويوشع ، وذهب معه الباقون ، فلما دنوا من الجبل غشيه غمام ، فدخل موسى بهم الغمام وخروا سجدا ، فسمعوه يكلم موسى ، يأمره وينهاه ، ثم انكشف الغمام ، فأقبلوا إليه ، وقالوا : لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً « 1 » ، فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ * أي : الصعقة ، أو رجفة الجبل ، عقابا لهم على قولهم ، فصعقوا منها ، يحتمل أن تكون رجفة موت أو إغماء . والأول أظهر ؛ لقوله : ثُمَّ بَعَثْناكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ « 2 » . فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قالَ موسى : رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ ، تمنى هلاكهم وهلاكه قبل ذلك الوقت ، لأنه خاف من تشغيب بني إسرائيل عليه ، إن رجع إليهم دون هؤلاء السبعين ، ربما قالوا : عرّضهم للهلاك ، أو يكون قال ذلك على وجه الاستسلام والانقياد للقضاء ، أي : لو شئت أن تهلكنا من قبل ذلك لفعلت ، فإنا عبيدك وتحت قهرك تفعل بنا ما تشاء ، أو يكون قاله على وجه التضرع والرغبة ، أي : لو شئت أن تهلكنا قبل اليوم لفعلت ، لكنك عافيتنا وأنقذتنا وأغرقت عدونا ، فافعل بنا الآن كما عودتنا ، وأحي هؤلاء الذين أمتهم ، إذ ليس ببعيد من عميم إحسانك ، أَ تُهْلِكُنا بِما فَعَلَ السُّفَهاءُ مِنَّا من العناد والتجاسر على طلب الرؤية ، أو بما فعل السفهاء من عبادة العجل . إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ أي : ابتلاؤك حين أسمعتهم كلامك ، حتى طمعوا في الرؤية ، أو فتنتك لهم بأن أجريت الصوت من العجل حتى افتتنوا به ، وهذا اعتراف بالقدر ، ورجوع إلى قوله : فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ . . . « 3 » الآية ، ولذلك قيل : إنه قال له تعالى : نعم هي فتنتى يا حكيم الحكماء . ه . أي : ما هذه الأمور كلها التي صدرت من بني إسرائيل إلا فتنتك تُضِلُّ بِها مَنْ تَشاءُ ضلالته ، باتباع المخايل ، وَتَهْدِي مَنْ تَشاءُ هدايته ، فيقوى بها إيمانه ، وهو اعتذار عن فعل السفهاء فإنه كان بقضاء اللّه ومشيئته . أَنْتَ وَلِيُّنا القائم بأمرنا ، أو ناصرنا من الوقوع في أسباب المهالك ، فَاغْفِرْ لَنا ما قارفنا من الذنوب ، وَارْحَمْنا أي : اعصمنا من الوقوع في مثله ، وَأَنْتَ خَيْرُ الْغافِرِينَ ؛ تغفر السيئة وتبدلها بالحسنة ، [ سورة الأعراف ( 7 ) : الآيات 156 إلى 157 ] وَاكْتُبْ لَنا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ إِنَّا هُدْنا إِلَيْكَ قالَ عَذابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِنا يُؤْمِنُونَ ( 156 ) الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ( 157 ) وَاكْتُبْ لَنا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةً أي : حالة حسنة من حسن معيشة وتوفيق طاعة ، وَفِي الْآخِرَةِ حسنة ؛ نعيم الجنة ، إِنَّا هُدْنا إِلَيْكَ أي : تبنا إليك ، من هاد يهود : إذا رجع ، أي : رجعنا إليك بالتوبة مما سلف منا .
--> ( 1 ) من الآية 55 من سورة البقرة . ( 2 ) من الآية 56 من سورة البقرة . ( 3 ) الآية 85 من سورة طه .