ابن عجيبة

238

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

يقول الحق جل جلاله : وَ أرسلنا إِلى مَدْيَنَ أَخاهُمْ شُعَيْباً ، ومدين : قبيلة من أولاد مدين بن إبراهيم ، شعيب بن ميكائل بن يشجر بن مدين بن إبراهيم الخليل ، على ما قيل . وقد تقدم في البقرة أن مدين ومدان من ولد إبراهيم عليه السّلام ، وشعيب هذا يسمى خطيب الأنبياء ؛ لحسن مراجعته قومه . قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ ، قَدْ جاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ يريد المعجزة التي كانت له ، وليس في القرآن بيان ما هي معجزته . وحمل الواحدي البينة على الموعظة . وقال في الكشاف : ومن معجزات شعيب : ما روى من محاربة عصا موسى التنين ، حين دفع إليه غنمه ، وولادة الغنم الدرع خاصة ، حين وعده أن يكون له الدرع من أولادها ، ووقوع عصا آدم في يده في المرات السبع ، وغير ذلك من الآيات . ه . وفيه نظر ؛ لأن هذ وقعت بعد مقالته لقومه ، وإنما كانت إرهاصات لموسى عليه السّلام ، وفي حديث البخاري : « ما بعث اللّه نبيّا إلّا وآتاه ما مثله آمن عليه البشر ، وإنما كان الذي أوتيته وحيا ، وأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة » « 1 » . وهو صريح في أنه لا بد من الآية لكل رسول ، ولعل اللّه تعالى لم يذكر معجزة شعيب وهود في القرآن مع وجودها ؛ لظاهر الحديث . ثم قال لهم : فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزانَ ، وكانوا مطففين ، أي : فأوفوا المكيال الذي هو آلة الكيل ، أي : كبروها ؛ بدليل قوله : وَالْمِيزانَ الذي هو الآلة ، ويحتمل أن يريد بهما المصدر ، أي : الكيل والوزن . وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْياءَهُمْ أي : لا تنقصوهم حقوقهم ، وإنما قال : أَشْياءَهُمْ ، للتعميم تنبيها على أنهم كانوا يبخسون الجليل والحقير ، والقليل والكثير ، وقيل : كانوا مكّاسين لا يدعون شيئا إلا مكسوه . وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بالكفر والظلم ، بَعْدَ إِصْلاحِها بإقامة الشرائع وظهور العدل ، ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ أي : ذلك الذي أمرتكم به ونهيتكم عنه هو خير لكم من إبقائكم على ما أنتم عليه ، ومعنى الخيرية : الزيادة مطلقا ؛ إذ لا خير فيما هم فيه ، أو : في الإنسانية وحسن الأحدوثة وجمع المال . قاله البيضاوي .

--> ( 1 ) أخرجه بنحوه البخاري في ( فضائل القرآن ، باب كيف نزل الوحي ) من حديث أبي هريرة رضى اللّه عنه .