ابن عجيبة

239

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

وَلا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِراطٍ أي : طريق تُوعِدُونَ من أراد الإيمان بالعقوبة ، وكانوا يجلسون على الطرقات والمراصد ، يقولون لمن يريد شعيبا : إنه كذاب فلا يفتنك عن دينك ؛ ويوعدون من آمن ، وقيل : كانوا يقطعون الطريق . وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أي : تصدون الناس عن طريق اللّه ، وهو الإيمان به وبرسوله ، وهو الذي قعدوا لأجله في كل طريق ، وقوله : مَنْ آمَنَ بِهِ ؛ من أراد الإيمان به ، أو من آمن حقيقة ؛ كانوا يصدونه عن العمل ، وَتَبْغُونَها عِوَجاً أي : وتطلبون لطريق اللّه عوجا بإلقاء الشّبه فيها ، أو بوصفها للناس بأنها معوجّة . وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا عددكم وعددكم فَكَثَّرَكُمْ بالبركة في النسل والمال ، وَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ من الأمم قبلكم ، فاعتبروا بهم . وَإِنْ كانَ طائِفَةٌ مِنْكُمْ آمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ وَطائِفَةٌ لَمْ يُؤْمِنُوا فَاصْبِرُوا أي : تربصوا حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنا أي : بين الفريقين بنصر المحقين على المبطلين ، فهو وعد للمؤمنين ووعيد للكافرين ، وَهُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ ؛ إذ لا معقب لحكمه ، ولا حيف فيه . قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ في جوابه عن وعظه : لَنُخْرِجَنَّكَ يا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنا أي : ليكونن أحد الأمرين ؛ إما إخراجكم من القرية أو عودكم في الكفر ، وشعيب عليه السّلام لم يكن في ملتهم قط ؛ لأن الأنبياء - عليهم السّلام - لا يجوز عليهم الكفر مطلقا ، لكنهم غلّبوا الجماعة على الواحد ؛ فخوطب هو وقومه بخطابهم ، وعلى ذلك أجرى الجواب في قوله : قالَ أَ وَلَوْ كُنَّا كارِهِينَ . قاله البيضاوي . وقال ابن عطية : وعاد : قد يكون بمعنى صار ، فلا يقتضى تقدم ذلك المحال ، قلت : ويؤيده ما في حديث الجهنميين : « قد عادوا حمما » « 1 » أي : صاروا . ثم قال شعيب عليه السّلام : قَدِ افْتَرَيْنا عَلَى اللَّهِ كَذِباً إِنْ عُدْنا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْها أي : إن رجعنا إلى ملتكم بعد الخلاص منها ، فقد اختلقنا على اللّه الكذب ، وهذا كله في حق قومه كما تقدم . وَما يَكُونُ لَنا أَنْ نَعُودَ فِيها إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّنا خذلاننا وارتدادنا ، وفيه تسليم للإرادة المغيبة ، والعلم المحيط ، فإن القلوب بيد اللّه يقلبها كيف يشاء . فإن قلت : هو معصوم فلا يصح فيه العود ؟ . قلت : قاله أدبا مع الربوبية ، واستسلاما لقهر

--> ( 1 ) جزء من حديث طويل أخرجه البخاري في ( الرقاق - باب صفة الجنة والنار ) ومسلم في ( الإيمان - باب معرفة طريق الرؤية ) من حديث أبي سعيد الخدري رضى اللّه عنه .