ابن عجيبة

194

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

وقال الشيخ أبو طالب المكي رضى اللّه عنه : الإخلاص عند المخلصين : إخراج الخلق من معاملة الخالق ، وأول الخلق : النفس ، والإخلاص عند المحبين : ألا يعمل عملا لأجل النفس ، وألّا يدخل عليه مطالعة العوض ، أو تشوف إلى حظ طبع ، والإخلاص عند الموحدين : خروج الخلق من النظر إليهم ، أي : لا يرون مع اللّه غيره في الأفعال ، وترك السكون إليهم ، والاستراحة إليهم في الأحوال . ه . وبالإخلاص تتفاوت الدرجات ، كما أبان ذلك بقوله : [ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 165 ] وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي ما آتاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ( 165 ) يقول الحق جل جلاله : وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الْأَرْضِ أي : يخلف بعضكم بعضا ، أو خلفاء اللّه في أرضه ؛ تتصرفون فيها بإذنه على أن الخطاب عام ، أو خلفاء الأمم السابقة ، على أن الخطاب للمسلمين ، وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ في الشرف والغناء والقوة والجاه ، وفي العلوم والأعمال والأحوال والإخلاص والمعارف ، وغير ذلك مما يقع به التفاضل بين العباد ، لِيَبْلُوَكُمْ فِي ما آتاكُمْ أي : ليختبر شكركم على ما أعطاكم ، وأعمالكم فيما مكنكم فيه من الخلافة . إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقابِ لمن كفر نعمه ، إما في الدنيا لمن عجل أخذه ؛ لأن كل آت قريب ، وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ لمن شكر نعمه وآمن وعمل بطاعته ، جمع بين التخويف والترجية ليكون العبد بينهما . وبالله التوفيق . الإشارة : من شرف هذا الآدمي أن جعله خليفة عنه ، في ملكه ، يتصرف فيه بنيابته عنه ، ثم إن هذا التصرف يتفاوت على قدر الهمم ، فبقدر ما ترتفع الهمة عن هذا العالم يقع للروح التصرف في هذا الوجود ، فالعوام إنما يتصرفون فيما ملّكهم اللّه من الأملاك الحسية . والخواص يتصرفون بالهمة في الوجود بأسره ، وخواص الخواص يتصرفون بالله ، أمرهم بأمر اللّه ، إن قالوا لشئ : كن - يكون بإذن اللّه ، مع إرادة اللّه وسابق علمه وقدره ، وإلا فالهمم لا تخرق أسوار الأقدار ، والحاصل : أن من بقي مع الأكوان شهودا وافتقارا ، كان محبوسا معها ، ومن كان مع المكون كانت الأكوان معه ، يتصرف فيها بإذن اللّه ، خليفة عنه فيها ، وهم متفاوتون في ذلك كما تقدم . وقال تعالى : وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الْأَرْضِ أي : خلفاء عنه تتصرفون في الوجود بأسره بأرواحكم ، وأنتم في الأرض بأشباحكم ، وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ ؛ من أقطاب وأوتاد ونجباء ونقباء وغير ذلك ، مما هو مذكور في محله . خرطنا اللّه في سلكهم ومنحنا ما منحهم ، بمنّه وكرمه ، وبسيدنا محمد صلّى اللّه عليه وسلّم حبيبه ونبيه . آمين - والحمد لله رب العالمين .