ابن عجيبة
18
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
سبط نقيبا ، يكون أمينا وكفيلا على قومه بالوفاء على ما أمروا به . فاختار موسى النقباء ، فسار بهم حتى إذا دنوا من أرض كنعان ، وهي أريحا ، بعث هؤلاء النقباء يتجسسون الأخبار ، ونهاهم أن يحدثوا قومهم بما يرون ، فلما قربوا من الأرض المقدسة رأوا أجراما عظاما وبأسا شديدا ، فهابوا ورجعوا وحدثوا قومهم ، إلا كالب بن يوقنا - من سبط يهوذا - ويوشع بن نون - من سبط إفرائيم بن يوسف - ثم قالُوا يا مُوسى إِنَّ فِيها قَوْماً جَبَّارِينَ إلى آخر ما يأتي من قصتهم . وأما ما ذكره الثعلبي هنا ، وغيره ، من قصة عوج بن عناق ، فقال القسطلاني : هي باطلة من وضع الزنادقة ، فلا يجوز ذكرها في تفسير كتاب اللّه الصادق المصدوق . وَقالَ اللَّهُ لبنى إسرائيل : إِنِّي مَعَكُمْ بالنصر والمعونة ؛ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي التي أرسلت بعد موسى وَعَزَّرْتُمُوهُمْ أي : نصرتموهم وقويتموهم ، وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً بالإنفاق في سبل الخير ، لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ أي : أستر عنكم ذنوبكم فلا نفضحكم بها ، وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ ، فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذلِكَ العهد المؤكد ، المعلق عليه هذا الوعد العظيم ، فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ أي : تلف عن وسط الطريق ، تلفا لا شبهة فيه ولا عذر معه ، بخلاف من كفر قبل أخذ العهد ؛ فيمكن أن تكون له شبهة ، ويتوهم له معذرة . ثم إن بني إسرائيل نقضوا المواثيق التي أخذت عليهم ، فكفروا وقتلوا الأنبياء ، قال تعالى : فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ أي : طردناهم وأبعدناهم ، أو مسخناهم ، وَجَعَلْنا قُلُوبَهُمْ قاسِيَةً أي : يابسة صلبة لا ينفع فيها الوعظ والتذكير ، أو رديّة مغشوشة بمرض الذنوب والكفر . ثم بيّن نتيجة قسوة قلوبهم فقال : يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ لفظا أو تأويلا . ولا قسوة أعظم من الجرأة على تغيير كتاب اللّه وتحريفه ، وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ أي : تركوا نصيبا واجبا مما ذكروا به من التوراة . فلو عملوا بما ذكّرهم اللّه في التوراة ما نقضوا العهود وحرّفوا كلام اللّه من بعد ما علموه ، لكن رين الذنوب والانهماك في المعاصي ، غطت قلوبهم فقست ويبست ، وَلا تَزالُ يا محمد تَطَّلِعُ عَلى خائِنَةٍ أي : خيانة مِنْهُمْ أو على طائفة خائنة منهم ، لأن الخيانة والغدر من عادتهم وعادة أسلافهم ، فلا تزال ترى ذلك منهم إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ لم يخونوا ، وهم الذين أسلموا منهم ، فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ حتى يأتيك أمر اللّه فيهم ، أو إن تابوا وآمنوا ، أو إن عاهدوا والتزموا الجزية ، إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ إلى عباده كيفما كانوا . ومن الإحسان إليهم : جبرهم على الإيمان بالسيف وسوقهم إلى الجنة بسلاسل الامتحان . الإشارة : قد أخذ اللّه على هذه الأمة أن يلتزموا أحكام القرآن ، ويحافظوا على مراسم الإسلام والإيمان ، ويجاهدوا نفوسهم في تحصيل مقام الإحسان ، وبعث من يقوم ببيان شرائع الإسلام والإيمان ، ومن يعرف الطريق إلى مقام الإحسان ، وقال اللّه لهم : ( إني معكم ) بالنصر والتأييد ، لئن أقمتم شرائع الإسلام ، وحققتم قواعد الإيمان ، وعظمتم من يعرفكم بطريق الإحسان ، لأغطين مساوئكم ، ولأمحقن دعاويكم ، فأوصلكم بما منى إليكم من الكرم