ابن عجيبة
19
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
والجود ، ولأدخلنكم جنة المعارف تجرى من تحتها أنهار العلوم وأنواع الحكم ، فمن لم يقم بهذا ، أو جحده فقد ضل عن طريق الرشاد ، ومن نقض عهد الشيوخ المعرفين بمقام الإحسان ، فقد طرد وأبعد غاية الإبعاد ، وقسا قلبه بعد اللين . وقد ذكرنا في تفسير الفاتحة الكبير معنى النقباء والنجباء وسائر مراتب الأولياء ، وبالله التوفيق ، وهو الهادي إلى سواء الطريق . ولما ذكر نقض اليهود ذكر نقض النصارى ، فقال : [ سورة المائدة ( 5 ) : آية 14 ] وَمِنَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّا نَصارى أَخَذْنا مِيثاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنا بَيْنَهُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ ( 14 ) يقول الحق جل جلاله : وأخذنا أيضا عهدا وميثاقا من النصارى ، الذين سموا أنفسهم نصارى ؛ ادعاء لنصرة عيسى عليه السّلام ولم يقوموا بواجب ذلك عملا واعتقادا ، أخذناه عليهم بالتزام أحكام الإنجيل ، وأن يؤمنوا بالله وحده لا شريك له ، ولا صاحبة ولا ولد ، وأن يؤمنوا بمحمد - عليه الصلاة والسّلام - إن أدركوه ويتبعوه ، فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ أي : نسوا ما ذكرناهم به ، وتركوا حظا واجبا مما كلفوا به ، فَأَغْرَيْنا أي : سلطنا بَيْنَهُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ ، فهم يقتتلون في البر والبحر ، ويتحاربون إلى يوم القيامة ، فكل فرقة تلعن أختها وتكفرها ، أو بينهم وبين اليهود ، فالعداوة بينهم دائمة ، وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ بالجزاء والعقاب . الإشارة : يؤخذ من الآية أن من نقض العهد مع اللّه ؛ بمخالفة ما أمره به أو نهاه عنه ، أو مع أولياء اللّه ، بالانتقاد عليهم وعدم موالاتهم ، ألقى اللّه في قلب عباده العداوة والبغضاء له ، فيبغضه اللّه ، ويبغضه عباد اللّه ، ومن أوفى بما أخذه اللّه عليه من العهد بوفاء ما كلفه به ، واجتناب ما نهاه عنه ، وتودد إلى أوليائه ، ألقى اللّه في قلب عباده المحبة والوداد ، فيحبه اللّه ، ويحبه عباد اللّه ، ويتعطف عليه أولياء اللّه ، كما في الحديث : « إذا أحبّ اللّه عبدا نادى جبريل ، إنّ اللّه يحبّ فلانا فأحبّه ، فيحبّه جبريل . ثم ينادى في الملائكة : إن اللّه يحبّ فلانا فأحبّوه . فيحّبه أهل السّماء ، ثم يلقى له القبول في الأرض » « 1 » . . . الحديث .
--> ( 1 ) أخرجه البخاري في ( الأدب ، باب المقة « المحبة » من اللّه ) ومسلم في ( البر والصلة ، باب إذا أحب اللّه عبدا حببه إلى عباده ) من حديث أبي هريرة رضى اللّه عنه .