ابن عجيبة

175

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

روى أنهم كانوا يعينون شيئا من حرث أو نتاج إلى اللّه ، فيصرفونه إلى الضيفان والمساكين ، وشيئا منها إلى آلهتهم ، فينفقونه على سدنتهم - أي : خدّامهم ، والقيام بأصنامهم ، ويذبحون عندها ، ثم إذا رأوا ما عينوا لله أزكى وأكثر ، بدلوه لآلهتهم وقالوا : اللّه غنى عنه ، وإذا رأوا ما لآلهتهم أزكى تركوه لها ؛ حبا لآلهتهم ، وإذا هبت ريح فحملت شيئا من الذي لله إلى الذي للأصنام أقروه ، وإن حملت شيئا من الذي للأصنام إلى الذي لله ردوه ، وإذا أصابتهم سنة ، أكلوا نصيب اللّه وتحاموا نصيب شركائهم ، تعظيما لها . وفي قوله : مِمَّا ذَرَأَ : تنبيه على فرط جهالتهم ، فإنهم أشركوا الخالق في خلقه ، جمادا لا يقدر على شئ ، ثم رجحوه عليه بأن جعلوا الزاكي له ، وفي قوله : بِزَعْمِهِمْ : تنبيه على أن ذلك مما اخترعوه ، ولم يأمرهم اللّه تعالى به . ساءَ أي : قبح ، ما يَحْكُمُونَ حكمهم هذا الذي اخترعوه من عند أنفسهم . الإشارة : مما ينخرط في سلك الآية ، وتجر ذيلها عليه ، ما يفعله بعض الناس من التساهل في حقوق اللّه الواجبة ، والمسارعة إلى حقوق الناس التي ليست بواجبة عليه ، فترى بعض العوام يقدمون مد أبى العباس السبتي ، ويتساهل في الزكاة ، وترى بعض الناس يسارع إلى إطعام الطعام وقرى الأضياف ، وهو لا يفي زكاته . وبعضهم يجعلون للصالحين شيئا من أموالهم لتصلح وتنمو ويعتنى بشأنها ، وقد لا يعتنى بزكاته ولا يخرجها ، وهذا كله شعبة من فعل أهل الشرك ، وعلامة اتباع الهوى . وبالله التوفيق . ثم ذكر نوعا آخر من كفرهم ، فقال : [ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 137 ] وَكَذلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلادِهِمْ شُرَكاؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ وَلَوْ شاءَ اللَّهُ ما فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَما يَفْتَرُونَ ( 137 ) قلت : قرأ الجمهور : زَيَّنَ ؛ بالبناء للفاعل ونصب قتل ، على أنه مفعول به ، وخفض ( أولادهم ) بالإضافة ، ورفع ( شركاؤهم ) ؛ فاعل ( زين ) ، فالشركاء على هذه القراءة هم الذين زينوا القتل ، وقرأ ابن عامر : بضم الزاي ؛ على البناء للمفعول ، ورفع « قتل » ؛ على النيابة عن الفاعل ، ونصب « أولادهم » على أنه مفعول بقتل ، وخفض « شركائهم » بالإضافة إلى قتل ، إضافة المصدر إلى فاعله ، أي : زين لهم أن يقتل شركاؤهم أولادهم ، ففصل بين المضاف والمضاف إليه بأولادهم ، وهو معمول للمصدر ، وهو جائز في العربية ، قال ابن مالك في الألفية : فصل مضاف شبه فعل ما نصب * مفعولا أو ظرفا أجز ، ولم يعب وهذا من فصل المفعول ، فهو جائز في السعة ؛ خلافا للزمخشري ومن تبعه ، وقد شنّع عليه الشاطبي في حرز الأماني .