ابن عجيبة

176

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

يقول الحق جل جلاله : ومثل ذلك التزيين الذي وقع لهم في الحرث والأنعام ، زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلادِهِمْ ؛ زين لهم ذلك شركاؤهم من الجن ، أو من السدنة ، وحملوهم عليه ، خوفا من الجوع أو من العار ، وكانوا يقتلون البنات دون البنين ، زينوا لهم ذلك لِيُرْدُوهُمْ أي : ليهلكوهم بالإغواء ، وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ أي : ليخلطوا عليهم ما كانوا عليه من دين إسماعيل ، أو ما وجب عليهم أن يتدينوا ب ، وَلَوْ شاءَ اللَّهُ ما فَعَلُوهُ أي : ما فعل المشركون ما زين لهم ، أو ما فعل الشركاء التزيين ، أو الفريقان جميع ذلك ، فَذَرْهُمْ وَما يَفْتَرُونَ أي : اتركهم مع افترائهم ، أو : والذي يفترونه من الإفك ، وهذا قبل الأمر بالسيف ، ثم نسخ به . الإشارة : مما ينخرط في سلك الآية : إهانة البنات وتعظيم البنين ، وقد نهى الشارع - عليه الصلاة السلام - عن تخصيص الذكور بالوصية ، وقال للذي أراد أن يفعله : « لا تشهدنى على جور » ، وهنا إشارة أرق من هذا ، وهو أن يراد بالأولاد ما تنتجه الفكرة الصافية من العلوم والمواهب ، وقتلها : إهمال الفكرة عن استخراجها حتى ضاعت عليه ، والذي زين له ذلك هو شرك القلب ، واشتغاله برسوم الفرق ، حتى تعطلت الفكرة ، وماتت تلك العلوم من قلبه ، وقع ذلك التزيين بأهل الفرق ليسقطوهم عن درجة المقربين ؛ أهل العلوم اللدنية والأسرار الربانية ، وليلبسوا عليهم دينهم بالخواطر والشكوك ، والأوهام ، ولو شاء اللّه لهدى الناس جميعا . ثم ذكر أيضا نوعا آخر من جهالتهم ، فقال : [ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 138 ] وَقالُوا هذِهِ أَنْعامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لا يَطْعَمُها إِلاَّ مَنْ نَشاءُ بِزَعْمِهِمْ وَأَنْعامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُها وَأَنْعامٌ لا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا افْتِراءً عَلَيْهِ سَيَجْزِيهِمْ بِما كانُوا يَفْتَرُونَ ( 138 ) قلت : ( حجر ) : فعل ، بمعنى مفعول ، يستوى فيه الواحد والكثير ، والمذكر والمؤنث ، ومعناه : حرام ، و ( افتراء ) : حال ، أو مفعول من أجله ، أو مصدر . يقول الحق جل جلاله : وَقالُوا أيضا : هذِهِ الأشياء التي جعلوها لأصنامهم ، وهي أَنْعامٌ وَحَرْثٌ ، هي حِجْرٌ أي : حرام محجر ، لا يَطْعَمُها ؛ لا يأكلها إِلَّا مَنْ نَشاءُ ، وهم خدام الأوثان وسدنتها ، والرجال دون النساء . قالوا ذلك بِزَعْمِهِمْ وافترائهم من غير حجة ، وَأَنْعامٌ أخرى حُرِّمَتْ ظُهُورُها ؛ وهي البحائر والسوائب والحوامي ، وَأَنْعامٌ أخرى لا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا في الذبح ، وإنما يذكرون عليها اسم آلهتهم ؛ افْتِراءً على اللّه ، لأنهم قسموا أموالهم على هذه القسمة ، ونسبوا ذلك إلى اللّه ؛ افتراء وكذبا ، سَيَجْزِيهِمْ بِما كانُوا يَفْتَرُونَ أي : بسببه فيعذبهم عليه .