ابن عجيبة
161
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
وهذا كله إنما يكون في البدايات ، كما قال الشاذلي رضى اللّه عنه : ( اللهم إن القوم قد حكمت عليهم بالذل حتى عزوا ) . . فإذا تمت أنوارهم وتطهرت من البقايا أسرارهم ، حكّمهم في العباد ، وأذلهم لهم ، فيكون العبد المجتبى سيفا من سيوف اللّه ، ينتصر اللّه به لنفسه ؛ كما نبه على ذلك في لطائف المنن . وذلك من أسرار عدم مشروعية الجهاد من أول الإسلام ؛ تشريعا لما ذكرنا ، وتحذيرا من الانتصار للنفس ، وعدم تمحض النصرة للحق . وعند الرسوخ في اليقين ، والأمن من مزاحمة الصدق غيره ، وقع الإذن في الجهاد ، هذا بالنسبة إلى الصحابة الكرام ، وأما النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فكامل من أول نشأته ، وإنما ذلك تشريع لغيره ، وترفيع لرتبته . واللّه تعالى أعلم . ولما طلبوا من يحكم بينهم وبينه صلّى اللّه عليه وسلّم ، أنزل اللّه : [ سورة الأنعام ( 6 ) : الآيات 114 إلى 115 ] أَ فَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَماً وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتابَ مُفَصَّلاً وَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ ( 114 ) وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ( 115 ) قلت : ( غير ) : مفعول ، و ( حكما ) : حال ، وهو أبلغ من حاكم ، ولذلك لا يوصف به غير العادل ، و ( صدقا وعدلا ) : تمييز ، أو حال ، أو مفعول له . يقول الحق جل جلاله : قل يا محمد : أَ فَغَيْرَ اللَّهِ أطلب حَكَماً يحكم بيني وبينكم ، ويفصل المحق منّا من المبطل ، وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتابَ أي : القرآن المعجز ، مُفَصَّلًا ؛ مبينا ، قد بيّن فيه الحق من الباطل ، بحيث انتفى به الالتباس ، فهو الحاكم بيني وبينكم ، فلا أطلب حاكما غيره ، وفيه تنبيه على أن القرآن بإعجازه مغن عن سائر الآيات . وَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ كأحبار اليهود ، يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ ؛ لتصديقه ما عندهم ، وموافقته له في كثير من الأخبار ، فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ في أنهم يعلمون ذلك ، أو في أنه منزل من ربك ، والمراد غيره - عليه الصلاة والسلام - ممن يطرقه ارتياب ، والمعنى : أن الأدلة تعاضدت على صحته ، فلا ينبغي لأحد أن يمترى فيه . وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ ؛ آيات القرآن ، بلغت الغاية في التمام والكمال ، صِدْقاً وَعَدْلًا أي : من جهة الصدق والعدل ، صدقا في الأخبار والمواعيد ، وعدلا في الأقضية والأحكام ، فلا أصدق منها فيما أخبرت ، ولا أعدل منها فيما حكمت ، لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ أي : لا أحد يقدر أن يبدل منها شيئا بما هو أصدق وأعدل ، ولا أن يحرف شيئا منها ، كما فعل بالتوراة ، فهو ضمان من الحق لحفظ القرآن ، كما قال : إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ « 1 »
--> ( 1 ) الآية 9 من سورة الحجر .