ابن عجيبة
162
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
أو : لا نبي ولا كتاب بعدها ينسخها ويبدل أحكامها ، وَهُوَ السَّمِيعُ لكل ما يقال ، الْعَلِيمُ بكل ما يضمر ، فمن ألحد أو بدل فالله عليم به . الإشارة : من قواعد أهل التصوف : الرجوع إلى اللّه في كل شئ ، والاعتماد عليه في كل نازل ، والتحاكم إلى اللّه في كل أمر ، إن توقفوا في حكم رجعوا إلى كتاب اللّه ، فإن لم يجدوه نصا ، رجعوا إلى سنة رسول اللّه ، فإن لم يجدوه ، استفتوا قلوبهم ، وفي الحديث عنه : « استفت قلبك وإن أفتاك المفتون وأفتوك » . وفي بعض الآثار قالوا : يا رسول اللّه ؛ أرأيت إن اختلفنا بعدك ، ولم نجد نصّا في كتاب اللّه ولا في سنة رسول اللّه ؟ قال : « ردوه إلى صلحائكم ، واجعلوه شورى بينهم ولا تتعدّوا رأيهم » . أو كما قال عليه الصلاة والسلام . ثم نهى عن الركون إلى الجهال ، فقال : [ سورة الأنعام ( 6 ) : الآيات 116 إلى 117 ] وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ ( 116 ) إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ ( 117 ) قلت : ( من يضل ) : موصولة ، أو موصوفة في محل نصب بفعل دل عليه « أعلم » ، أي : يعلم من يضل ، فإن أفعل التفضيل لا ينصب المفعول به إجماعا . أو مبتدأ ، والخبر : « يضل » على أن ( من ) استفهامية ، والجملة : معلق عنها الفعل المقدر ، كقوله تعالى : لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصى « 1 » . يقول الحق جل جلاله لرسوله - عليه الصلاة والسلام - ولمن كان على قدمه : وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ ؛ من الكفار أو الجهال أو من اتبع هواه يُضِلُّوكَ عَنْ طريق اللَّهِ ، الموصلة إلى معرفته ، وحلول رضوانه ، فإن الضال لا يأمر إلا بما هو فيه ، مقالا أو حالا . والمراد بهم : من لا يقين عندهم ، بل إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ ، وهو ما استحسنته عقولهم ، إما تقليدا ، كظنهم أن آباءهم كانوا على الحق ، أو ما ابتدعوه برأيهم الفاسد من العقائد الزائفة والآراء الفاسدة ، وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ أي : يكذبون على اللّه فيما ينسبون إليه ؛ كاتخاذ الولد ، وجعل عبادة الأوثان وصلة إلى اللّه ، وتحليل الميتة وتحريم البحائر ، أو يقدّرون في عقولهم أنهم على شئ ، وكل ذلك عن تخمين وظن لا يقين فيه ، ثم قال لنبيه : إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ أي : هو عالم بالفريقين ، لا يخفى عليه أهل الحق من أهل الباطل . الإشارة : مخالطة العموم والركون إليهم والمعاملة معهم سموم قاتلة ، قال بعض الصوفية : قلت لبعض الأبدال : كيف الطريق إلى التحقيق والوصول إلى الحق ؟ قال : لا تنظر إلى الخلق ، فإن النظر إليهم ظلمة ، قلت : لا بد لي ،
--> ( 1 ) من الآية 12 من سورة الكهف .