ابن عجيبة
154
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
عن حسه ، فيشاهد معاني أسرار الربوبية في مظاهر أنوار صفاته . ومن كان هنا مفتوحا عليه في شهود المعاني ، كان يوم القيامة كذلك ، لا تغيب عنه مشاهدة الحق ساعة . قال الغزالي في كتاب الأربعين : إذا ارتفع الحجاب بعد الموت انقلبت المعرفة بعينها مشاهدة . قلت : ومعنى كلامه : أن ما عرفه به هنا من التجليات ، صار بعينه هناك مشاهدة ؛ لأن المعنى هناك غالب على الحس ، بخلاف دار الدنيا ، الحس فيها غالب ، إلّا لمن غاب عنه واستهلكه . ثم قال : ويكون لكل واحد على قدر معرفته ، ولذلك تزيد لذة أولياء اللّه تعالى في النظر على لذة غيرهم ، ولذلك يتجلى اللّه تعالى لأبى بكر خاصة ، ويتجلى للناس عامة . وقال في الإحياء : ولمّا كانت المعرفة على درجات متفاوتة كان التجلي على درجات متفاوتة ، ثم ذكر حديث التجلي لأبى بكر المتقدم . ثم قال : فلا ينبغي أن يظن أن غير أبى بكر ، ممن هو دونه ، يجد من لذة النظر والمشاهدة ما يجده أبو بكر ، بل لا يجده ، إلا عشر عشره ، إن كانت معرفته في الدنيا عشر عشره ، ولما فضل الناس بسر وقر في صدره ، فضل لا محالة بتجلّ انفرد به . وقال أيضا : يتجلى الحق للعبد ، تجليا يكون الكشاف تجلّيه ، بالإضافة إلى ما علمه ، كانكشاف تجلى المرئيات بالإضافة إلى ما تخيله - أي : إلى ما وصفه له الواصف . ثم قال : وهذه المشاهدة والتجلي هي التي تسمى رؤية ، ثم قال : المعرفة الحاصلة في الدنيا هي التي تستكمل ، فتبلغ كمال الكشف والوضوح وتنقلب مشاهدة ، ولا يكون بين المشاهدة في الآخرة والمعلوم في الدنيا اختلاف ، إلا من حيث زيادة الكشف والوضوح . وقال أيضا : وبحر المعرفة لا ساحل له ، والإحاطة بكنه جلاله محال ، وكلما كثرت المعرفة وقويت ؛ كثر النعيم في الآخرة ، وعظم ، كما أنه كلما كثر البذر وحسن ؛ كثر الزرع وحسن ، ولا يمكن تحصيل هذا البذر إلا في الدنيا ، ولا يزرع إلا في صعيد القلب ، ولا حصاد إلا في الآخرة . ه . قال شيخنا مولاي العربي رضى اللّه عنه : بل الرجال زرعوا اليوم وحصدوا اليوم . وفي تفسير الأقليشى لقوله : اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ « 1 » : ليس لهذه الهداية - ما دام العبد في الدنيا - نهاية ، حتى إذا حصل في جوار الجبار ، ونظر إلى وجهه العظيم ، كان حظه من النعيم بقدر ما هداه في الدنيا لصراطه المستقيم . ه . وقال في نوادر الأصول : في الحديث : « إنّ من أهل الجنّة من ينظر إلى اللّه عزّ وجلّ غدوة وعشيّا » . وروى عن معاذ أنه قال : « صنف من أهل الجنّة من ينظر إلى اللّه عزّ وجلّ ، لا يستر الربّ عنهم ولا يحتجب » ثم قال : وذكر أن الرضوان آخر ما ينال أهل الجنة ، ولا شئ أكبر منه ، وكل عبد من أهل الجنة حظه من الرضوان هناك فيها على قدر جوده بنفسه على اللّه في الدنيا . ه .
--> ( 1 ) الآية 6 من سورة الفاتحة .