ابن عجيبة

153

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

ثم قال تعالى : وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ أي : يحيط علمه بها ؛ إذ لا تخفى عليه خافية ، وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ فيدرك ما لا تدركه الأبصار ، ويجوز أن يكون تعليلا للحكمين السابقين على طريق اللفّ ، أي : لا تدركه الأبصار لأنه اللطيف ، وهو يدرك الأبصار لأنه الخبير ، فيكون اللطيف مقابلا للكثيف ، لا يدرك بالحاسة ولا ينطبع فيها . قاله البيضاوي وأبو السعود . الإشارة : اعلم أن الحق جل جلاله قد تجلى لعباده في مظاهر الأكوان ، لكنه لحكمته وقدرته ، قد تجلى بين الضدين ، بين الأنوار والأسرار ، بين الحس والمعنى ، بين مظهر الربوبية وقالب العبودية . فالأنوار ما ظهر من الأواني ، والأسرار ما خفى من المعاني ، فالحس ما يدرك بحاسة البصر ، والمعنى ما يدرك بالبصيرة . فالحس رداء للمعنى ، فمن فتح اللّه بصيرته استولى نور بصيرته على نور بصره ، فأدرك المعاني خلف رقة الأواني ، فلم تحجبه الأواني عن المعاني ، بل تمتحق في حقه الأواني ، ولا يرى حينئذ إلا المعاني . لذلك قال الحلاج ، لما سئل عن المعرفة ، قال : ( استهلاك الحس في المعنى ) ، فإذا فنى العبد عن شهود حسّه بشهود معناه ، غاب وجوده في وجود معبوده ، فشاهد الحقّ بالحق . فالعارفون لمّا فنوا عن أنفسهم ، لا يقع بصرهم إلا على المعاني ، فهم يشاهدون الحق عيانا . ولذلك قال شاعرهم : مذ عرفت الإله لم أر غيرا * وكذا الغير عندنا ممنوع وقال في الحكم : « ما حجبك عن الحقّ وجود موجود معه ؛ إذ لا شئ معه ، وإنّما حجبك توهّم موجود معه » . وقوله تعالى : لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ أي : الأبصار الحادثة ، وإنما تدركه الأبصار القديمة في مقام الفناء . وقال الورتجبي : لا تدركه الأبصار ، إلا بأبصار مستفادة ، من أبصار جلاله ، وكيف يدركه الحدثان ؟ ووجود الكون عند ظهور سطوات عظمته عدم . ه . أو لا تحيط به ، إذ الإحاطة بكنه الربوبية متعذرة . وعلى هذا حمل الآية في نوادر الأصول ، قال : إدراك الهوية ممتنع ، وإنما يقع التجلي بصفة من صفاته . وقال ابن عبد الملك في شرح مشارق الصغاني ، ناقلا عن المشايخ : إنما يتجلى اللّه لأهل الجنة ، ويريهم ذاته تعالى ، في حجاب صفاته ، لأنهم لا يطيقون أن يروا ذاته بلا حجاب مرتبة من مراتب الصفات . وقال الورتجبي : التجلي لا يكون بكلية الذات ، ولا بكلية الصفات ، وإنما يكون على قدر الطاقات ، فيستحيل أن يقال : تجلى كل الهوى لذرة واحدة ، وإنما يتجلى لها على قدرها . ه . وتتفاوت الناس في لذّة النظر يوم القيامة على قدر معرفتهم في الدنيا ، وتدوم لهم النظرة على قدر استغراقهم هنا ، فمن كان هنا محجوبا لا يرى إلا الحس ، كان يوم القيامة كذلك ، إلا في وقت مخصوص ، يغيبه الحق تعالى