ابن عجيبة

152

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

وكيف يكون له الولد أو الشريك ، وهو بَدِيعُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ؟ . أي : مبدعهما ومخترعهما بلا مثال يحتذيه ، ولا قانون ينتحيه ، والمعنى : أنه تعالى مبدع لقطرى العالم العلوي والسفلى بلا مادة ؛ لأنه تعالى منزه عن الأفعال بالمادة . والوالد عنصر الولد ، ومنفصل بانتقال مادته عنه ، فكيف يمكن أن يكون له ولد ؟ . ولذلك قال : أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ أي : من أين ، أو كيف يكون له ولد ، وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صاحِبَةٌ يكون منها الولد ، فإن انتفاء الصاحبة مستلزم لانتفاء الولد ، ضرورة استحالة وجود الولد بلا والدة في العادة ، وانتفاء الصاحبة مما لا ريب فيه ، وكيف أيضا يكون له ولد وَ قد خَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ ، فكيف يتصور أن يكون المخلوق ولدا لخالقه ؟ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ أي : أحاط بما من شأنه أن يعلم كائنا ما كان ، فلا تخفى عليه خافية مما كان ، ومما سيكون من الذوات والصفات ، ومن جملتها : ما يجوز عليه تعالى وما يستحيل كالولد والشريك . ذلِكُمُ المنعوت بما ذكر من جلائل الصفات ، هو اللَّهُ المستحق للعبادة خاصة ، رَبُّكُمْ أي : مالك أمركم لا شريك له أصلا ، خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ ، مما كان وسيكون ، ولا تكرار مع ما قبله ؛ لأن المعتبر فيما تقدم خالقيته لما كان فقط ، كما تقتضيه صيغة الماضي ، بخلاف الوصف يصلح للجميع ، وإذا تقرر أنه خالق كل شئ فَاعْبُدُوهُ ؛ فإن من كان خالقا لكل شئ ، جامعا لهذه الصفات ، هو المستحق للعبادة وحده ، وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ أي : هو متولى أمور جميع عباده ومخلوقاته ، التي أنتم من جملتها ، فكلوا أمركم إليه ، وتوسلوا بعبادته إلى جميع مآربكم الدنيوية والأخروية ، فإنه يكفيكم أمرها بقدرته وحفظه . الإشارة : كل من خضع لمخلوق في نيل حظ دنيوي ، إنسيا أو جنيا ، أو أطاعه في معصية الخالق ، فهو مشرك به مع ربه ، وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا بَعِيداً « 1 » ، فلذلك عمل الصوفية على مجاهدة نفوسهم في مخالفة الهوى ؛ لئلا تميل بهم إلى شئ من السّوى ، وتحرروا من رق الطمع ، وتوجهوا بهمتهم إلى الحق وحده ، ليتبرأوا من أنواع الشرك كلها ، جليها وخفيها . حفظنا اللّه بما حفظهم به . آمين . ثم عرّف بذاته المقدسة ، فقال : [ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 103 ] لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ( 103 ) يقول الحق جل جلاله : لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ أي : لا تحيط به ، ولا تناله بحقيقته ، وعن ابن عباس : ( لا تدركه في الدنيا ، وهو يرى في الآخرة ) ، ومذهب الأشعرية : أن رؤية اللّه في الدنيا جائزة عقلا ، لأن موسى عليه السّلام سألها ، ولا يسأل موسى ما هو محال ، وأحالته المعتزلة مطلقا ، وتمسكوا بالآية ، ولا دليل فيها ؛ لأنه ليس الإدراك مطلق الرؤية ، ولا النفي في الآية عامّا في الأوقات ، فلعله مخصوص ببعض الحالات ، ولا في الأشخاص ؛ فإنه في قوة قولنا : لا كل بصر يدركه ، مع أن النفي لا يوجب الامتناع . قاله البيضاوي .

--> ( 1 ) الآية 116 من سورة النساء