ابن عجيبة

151

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

وقال صاحب العينية : تجلّى حبيبي في مرائي جماله * ففي كلّ مرئى للحبيب طلائع فلمّا تبدى حسنه متنوّعا * تسمّى بأسماء فهن مطالع فما برز في عالم الشهادة هو من عالم الغيب على التحقيق ، فرياض الملكوت فائضة من بحر الجبروت ، ( كان اللّه ولا شئ معه ، وهو الآن على ما عليه كان ) ، ولا يعرف هذا ذوقا إلا أهل العيان ، الذين وحدوا اللّه في وجوده ، وتخلصوا من الشرك جليه وخفيه ، الذي أشار إليه بقوله : [ سورة الأنعام ( 6 ) : الآيات 100 إلى 102 ] وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَناتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يَصِفُونَ ( 100 ) بَدِيعُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ( 101 ) ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ ( 102 ) قلت : ( الجن ) : مفعول أول لجعلوا ، و ( شركاء ) : مفعول ثان ، وقدّم لاستعظام الإشراك ، أو ( شركاء ) : مفعول أول ، و ( للّه ) : في موضع المفعول الثاني ، و ( الجن ) : بدل من شركاء ، وجملة ( خلقهم ) : حال ، و ( بديع ) : خبر عن مضمر ، أو مبتدأ وجملة ( أنّى ) : خبره ، وهو من إضافة الصفة إلى مفعولها أي : مبدع السماوات ، أو إلى فاعلها : أي : بديع سماواته ، من بدع ؛ إذا كان على نمط عجيب ، وشكل فائق ، وحسن لائق . يقول الحق جل جلاله ، توبيخا للمشركين : وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ في عبادته ، وهم الْجِنَّ أي : الملائكة ؛ لاجتنانهم أي : استتارهم ، فعبدوهم واعتقدوا أنهم بنات اللّه ، أو الجن حقيقة ، وهم الشياطين ؛ لأنهم أطاعوهم كما يطاع اللّه تعالى ، أو : عبدوا الأوثان بتسويلهم وتحريضهم ، فقد أشركوا مع اللّه ، وَ الحال أن اللّه قد خَلَقَهُمْ أي : الجن أي : عبدوهم وهم مخلوقون ، أو الضمير للمشركين ، أي : عبدوا الجن ، وقد علموا أن اللّه قد خلقهم دون الجن لعجزه ، وليس من يخلق كمن لا يخلق . وَخَرَقُوا لَهُ أي : اختلفوا وافتروا ، أو زوروا برأيهم الفاسد له بَنِينَ كالنصارى في المسيح ، واليهود في عزير ، وَبَناتٍ كقول العرب في الملائكة : إنهم بنات اللّه - تعالى اللّه عن قولهم - قالوا ذلك بِغَيْرِ عِلْمٍ أي : بلا دليل ولا حجة ، بل مجرد افتراء وكذب ، سُبْحانَهُ وَتَعالى أي : تنزيها له ، وتعاظم قدره عَمَّا يَصِفُونَ من أن له ولدا أو شريكا .