ابن عجيبة

15

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

ولما كان الجهاد لا يقوم إلا بنصب الإمام ، ذكر ما يتعلق به من العدل في الأحكام ، فقال : [ سورة المائدة ( 5 ) : الآيات 8 إلى 10 ] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَداءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ ( 8 ) وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ ( 9 ) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ ( 10 ) قلت : ( وعد ) : يتعدى إلى مفعولين ، وحذف هنا الثاني ، أي : وعدهم أجرا عظيما ، دل عليه الجملة بعده . يقول الحق جل جلاله : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ؛ عامّ أريد به خاص ، وهم أولوا الأمر منهم ، الذين يلون الحكم بين الناس ، وما تقدم في سورة النساء « 1 » باق على عمومه ، أي : كُونُوا قَوَّامِينَ على من تحت حكمكم ، راعين لهم ؛ فإنكم مسؤولون عن رعيتكم ، وكونوا مخلصين لِلَّهِ في قيامكم وولايتكم ، شُهَداءَ على أنفسكم بالعدل ، تشهدون عليها بالحق إن توجه عليها ، ولا تمنعكم الرئاسة من الإنصاف في الحق ، إن توجه عليكم ، أو على أقاربكم وأصدقائكم ، ولا على عدوكم وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ أي : ولا يحملنكم شَنَآنُ قَوْمٍ أي : شدة بغضهم لكم ، عَلى أَلَّا تَعْدِلُوا فيهم ، فتمنعوهم من حقهم ، أو تزيدوا في نكالهم ، تشفيا وغيظا . اعْدِلُوا هُوَ أي : العدل أَقْرَبُ لِلتَّقْوى ، قال البيضاوي : صرح لهم بالأمر بالعدل ، وبيّن أنه بمكان من التقوى بعد ما نهاهم عن الجور ، وبين أنه مقتضى الهوى . فإذا كان هذا العدل مع الكفار ، فما بالك مع المؤمنين ؟ . ه وَاتَّقُوا اللَّهَ ؛ ولا تراقبوا سواه ، إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ فيجازى كلّا على عمله ، من عدل أو جور . ثم ذكر ثواب من امتثل ، فقال : وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ ، وأفضل الأعمال : العدل في الأحكام . قال عليه الصلاة السّلام : « المقسطون على منابر من نور يوم القيامة » « 2 » . . . الحديث ، وهو من السبعة الذين يظلهم اللّه في ظله . ثم ذكر وعيد ضدهم ، فقال : وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ كما هو عادته تعالى ، يشفع بضد الفريق الذي يذكر أولا ، وفاء لحق الدعوة ، وفيه مزيد وعد للمؤمنين وتطييب لقلوبهم . وهذه الآية في مقابلة قوله تعالى : إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها وَإِذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ « 3 » وتكميل لها . واللّه تعالى أعلم .

--> ( 1 ) في قوله تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَداءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ . . . الآية 135 . ( 2 ) أخرجه مسلم في ( الإمارة ، باب فضيلة الإمام العادل . . ) من حديث عبد اللّه بن عمرو بن العاص . ( 3 ) من الآية 58 من سورة النساء .