ابن عجيبة
16
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
الإشارة : أمر الحق جل جلاله شيوخ التربية أن يعدلوا بين الفقراء في النظرة والإمداد ، ولا يحملهم سوء أدب أحدهم ، أو قلة محبته وصدقه ، أن يبعده أو يمقته ؛ لأن قلوبهم صافية ، لا تحمل الكدر ، فهم يحسنون إلى من أساء إليهم من العوام ، فضلا عن أصحابهم ؛ فهم مأمورون بالتسوية بينهم في التذكير والإمداد . واللّه تعالى يقسم بينهم على قدر صدقهم ومحبتهم ، كما قال صلّى اللّه عليه وسلّم : « إنما أنا قاسم واللّه معطى » أي : إنما أنا أبين كيفية التوصل إلى الحق ، واللّه - تعالى - يتولى إعطاء ذلك لمن يشاء من خلقه ، فالأنبياء والأولياء مثلهم في بيان الطريق بالوعظ والتذكير ، كمن يبين قسمة التركة بالقلم ، والحاكم هو الذي يوصل إلى كل واحد من الورثة ما كان ينوبه في التركة ، كذلك المذكّر والمربى ، يبين المقامات ، واللّه يعطى ذلك بحكمته وفضله . واللّه تعالى أعلم . ثم أمر نبيه صلّى اللّه عليه وسلّم بشكر نعمة حفظه ورعايته ، وتنسحب على الأمراء من بعده ، إذ لا يخلو أحد منهم من عدو أو حاسد ، فقال : [ سورة المائدة ( 5 ) : آية 11 ] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ( 11 ) يقول الحق جل جلاله : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ بحفظه إياكم من عدوكم ؛ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أي : حين همّ الكفار أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ بالقتل ، فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ ، ولما كانت مصيبة قتل النبي صلّى اللّه عليه وسلّم - لو قتل - تعمّ المؤمنين كلهم ، خاطبهم جميعا ، وهي إشارة إلى ما همت به بنو قريظة ، من قتله صلّى اللّه عليه وسلّم ، وذلك أنه صلّى اللّه عليه وسلّم أتى بني قريظة ، ومعه الخلفاء الأربعة ؛ يستعينهم في دية رجلين مسلمين ، قتلهما عمرو بن أمية الضمري ، خطأ ، يظنهما مشركين ، فقالوا : نعم يا أبا القاسم ، قد آن لنا أن نعينك فاجلس حتى تطعم ، فأجلسوه ، وهموا بقتله ، فعمد عمرو بن جحاش إلى رحى عظيمة ليطرحها عليه ، فأمسك اللّه يده ، ونزل جبريل فأخبره ، فخرج النّبى صلّى اللّه عليه وسلّم إلى المدينة ولحقه أصحابه ، وهذا كان سبب قتلهم في غزوة بني قريظة . وقيل : نزلت في قضية غورث ، وذلك أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم كان ببطن نخلة حاصرا لغطفان ، فقال رجل منهم : هل لكم في أن أقتل محمدا فأفتك به ؟ قالوا : وددنا ذلك . فأتى النبىّ صلّى اللّه عليه وسلّم متقلدا سيفه ، فوجد النبي صلّى اللّه عليه وسلّم نازلا تحت شجرة قد تفرق أصحابه عنه ، وقد علق سيفه في الشجرة ، فسله الأعرابي وقال : من يمنعك منى ؟ وفي رواية : وجد النبي صلّى اللّه عليه وسلّم نائما فاستل السيف ، فما استيقظ النبي إلا والسيف في يد الأعرابي ، فقال : من يمنعك منى يا محمد ؟ فقال : « اللّه » ، فأسقطه جبريل من يده ، وأخذه النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فقال : « وأنت ، من يمنعك منى ؟ » فقال : كن خير آخذ ، فعفى عنه - عليه الصلاة السّلام « 1 » - . زاد البيضاوي : أنه أسلم .
--> ( 1 ) أخرجه القصة : البخاري في ( الجهاد ، باب من علق سيفه بالشجر ) وفي مواضع أخرى ، ومسلم في ( الفضائل ، باب توكله صلّى اللّه عليه وسلّم على اللّه ) عن جابر رضي اللّه عنه .