ابن عجيبة
124
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
قال البيضاوي : أمره أن يبدأ بالتسليم ، أو يبلغ سلام اللّه ويبشرهم بسعة رحمته وفضله ، بعد النهى عن طردهم ؛ إيذانا بأنهم الجامعون لفضيلتى العلم والعمل ، ومن كان كذلك ينبغي أن يقرّب ولا يطرد ، ويعز ولا يذل ، ويبشّر من اللّه بالسلامة في الدنيا وبالرحمة في الآخرة ، وقيل : إن قوما جاءوا إلى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فقالوا : إنا أصبنا ذنوبا عظاما ، فلم يردّ عليهم ، فانصرفوا ، فنزلت . ه . قال القشيري : أحلّه محل الأكابر والسّادات ، فإنّ السلام من شأن الجائى إلّا في صفة الأكابر ، فإنّ الجائى والآتي يسكت لهيبة المأتى ، حتى يبتدئ ذلك المقصود بالسؤال ، فعند ذلك يجيب الآتي . ه . الإشارة : من شأن الأكابر من الأولياء ، الداعين إلى اللّه ، إكرام من أتى إليهم بحسن اللقاء وإظهار المسرّة والبرور ، وخصوصا أهل الانكسار فيؤنسونهم ، ويوسعون رجاءهم ، ويفرحونهم بما يسمعون منهم من سعة فضل اللّه وكرمه . كان الشيخ أبو العباس المرسى رضى اللّه عنه إذا دخل عليه أحد من أهل العصيان - كأرباب الدولة والمخزن - ، قام إليهم ، وفرح بهم ، وأقبل عليهم ، وإذا أتى إليه أحد من العلماء أو الناسكين لم يعتن بشأنهم ، فقيل له في ذلك ، فقال : أهل العصيان يأتوننا فقراء منكسرين من أجل ذنوبهم ، لا يرون لأنفسهم مرتبة ، فأردت أن أجبر كسرهم ، وهؤلاء أهل الطاعة يأتوننا أغنياء معتمدين على طاعتهم ، فلا يحتاجون إلى ما عندنا . أو كلاما هذا معناه ، ذكره في لطائف المنن . واللّه تعالى أعلم . ثم بيّن علّة ما تقدّم من النهى عن الطرد وغيره ، فقال : [ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 55 ] وَكَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ ( 55 ) قلت : قرىء بتاء الخطاب ، ونصب السبيل ؛ على أنه مفعول به ، وقرىء بتاء التأنيث ورفع السبيل ؛ على أنه فاعل مؤنث ، وبالياء والرفع ؛ على تذكير السبيل ؛ لأنه يجوز فيه التذكير والتأنيث . يقول الحق جل جلاله : وَكَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ أي : ومثل ذلك التفصيل الواضح نفصل الآيات ، أي : نشرح آيات القرآن ونوضحها في صفة المطيعين والمجرمين ، والمصرين والأوابين ، ليظهر الحق ، ولتستوضح يا محمد سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ فتعاملهم بما يحق لهم من الإبعاد إن بعدوا ، أو الإقبال إن أقبلوا . أو لتتبين طريقهم ويظهر فسادها ببيان طريق الحق . الإشارة : سبيل المؤمنين من أهل اليمين ، هو التمسك بظاهر الشريعة المحمدية ؛ بامتثال الأمر واجتناب النهى ، والمبادرة إلى التوبة ، إن أخل بأحد الأمرين من غير تحرّ لما وراء ذلك ، وسبيل المتوجهين من السائرين والواصلين : تصفية القلوب وتهيؤها لإشراق أسرار علم الغيوب ؛ بتخليتها من الرذائل وتحليتها بأنواع الفضائل ؛ لتتهيأ بذلك