ابن عجيبة
125
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
لطلوع شموس العرفان ، والدخول في مقام الكشف والعيان ، الذي هو مقام الإحسان ، وما خرج عن هذين السبيلين فهو سبيل المجرمين : إما بالكفر ، وإما بالإصرار على العصيان ، والعياذ بالله . ثم نهى عن سلوك هذا السبيل - أعنى سبيل المجرمين - فقال : [ سورة الأنعام ( 6 ) : الآيات 56 إلى 58 ] قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قُلْ لا أَتَّبِعُ أَهْواءَكُمْ قَدْ ضَلَلْتُ إِذاً وَما أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ ( 56 ) قُلْ إِنِّي عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَكَذَّبْتُمْ بِهِ ما عِنْدِي ما تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفاصِلِينَ ( 57 ) قُلْ لَوْ أَنَّ عِنْدِي ما تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِيَ الْأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالظَّالِمِينَ ( 58 ) يقول الحق جل جلاله : قُلْ يا محمد : إِنِّي نُهِيتُ أي : نهاني ربى أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ أي : تعبدون مِنْ دُونِ اللَّهِ ، أو ما تدعونها آلهة ؛ أي : تسمونها بذلك ، وتخضعون لها من دون اللّه ، قُلْ لهم : لا أَتَّبِعُ أَهْواءَكُمْ الفاسدة وعقائدكم الزائغة ، قَدْ ضَلَلْتُ عن الحق إِذاً أي : إذا اتبعت أهواءكم ، وَما أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ أي : ما أنا في شئ من الهدى حتى أكون من عدادهم إن اتبعت أهواءكم ، وفيه تعريض بهم ، وأنهم ضالون حائدون عن طريق الهدى ، ليسوا على شئ منها . قُلْ إِنِّي عَلى بَيِّنَةٍ أي : طريق واضحة مِنْ رَبِّي توصلني إلى تحقيق معرفته ، واستجلاب رضوانه ، أنا ومن اتبعني ، وَ أنتم كَذَّبْتُمْ بِهِ أي : بربي ؛ حيث أشركتم به وعبدتم غيره ، أو كذبتم بطريقه ؛ حيث أعرضتم عنها ، واستعجلتم عقابه في الدنيا ، ما عِنْدِي ما تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ من العذاب أو المعجزات ، إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ في تعجيل العذاب وتأخيره ، أو في إظهار الآيات وعدم إظهارها ، يَقُصُّ القصص الْحَقَّ وهو القرآن ، أي : ينزله علىّ لأنذركم به ، أو يقضى القضاء الحق من تعجيل ما يعجل وتأخير ما يؤخر ، فيحكم بيني وبينكم إن شاء ، وَهُوَ خَيْرُ الْفاصِلِينَ أي : القاضين . قُلْ لَوْ أَنَّ عِنْدِي أي : في قدرتى وطوقى ما تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ من العذاب لَقُضِيَ الْأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ أي : لأهلكتكم عاجلا ؛ غضبا لربى ، وانقطع ما بيني وبينكم ، ولكن الأمر بيد خالقكم الذي هو عالم بأحوالكم ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالظَّالِمِينَ أي : عالم بما ينبغي أن يؤخذ عاجلا ، وبمن ينبغي أن يمهل ، فمفاتح الغيب كلها عنده ، كما سيذكره . الإشارة : قل ، أيها العارف ، المتوجه إلى اللّه ، المنقطع بكليته إلى مولاه ، الغائب عن كل ما سواه : إني نهيت أن أعبد الذين تدعون من دون اللّه ؛ من حب الدنيا ، ومن الرياسة والجاه . قل : لا أتبع أهواءكم ؛ لأنى قد اجتمعت