ابن عجيبة
119
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
يقول الحق جل جلاله : قُلْ لهم أيضا : أَ رَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصارَكُمْ أي : أصمّكم وأعماكم ، وَخَتَمَ عَلى قُلُوبِكُمْ ؛ بأن غطى عليها بما يزول به عقلكم وفهمكم ، مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ أي : بذلك المأخوذ . انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآياتِ أي : نكررها على جهات مختلفة ، كتصريف الرياح ، تارة من جهة المقدمات العقلية ، وتارة من جهة الترغيب والترهيب ، وتارة بالتنبيه والتذكير بأحوال المتقدمين ، ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ أي : يعرضون عنها ولم يلتفتوا إليها ، و ( ثم ) : لاستبعاد الإعراض بعد تصريف الآيات وظهورها . و قُلْ لهم أيضا : أَ رَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتاكُمْ عَذابُ اللَّهِ بَغْتَةً من غير مقدمة أَوْ جَهْرَةً بتقديمها ، فالبغتة : ما لم يتقدم لهم به شعور ، والجهرة : ما قدمت لهم مخايله ، وقيل : بغتة بالليل ، وجهرة بالنهار ، هَلْ يُهْلَكُ أي : ما يهلك به هلاك سخط وتعذيب ، إِلَّا الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ بالكفر والمعاصي . الإشارة : إنما خلق الأسماع والأبصار ، لسماع الوعظ والتذكار ، ولنظرة التفكر والاعتبار ، فمن صرفهما في ذلك فقد شكر نعمتها ، ومن صرفهما في غير ذلك فقد كفر نعمتهما ، ومن كفر نعمتهما يوشك أن تؤخذ منه تلك النعمة ، وكذلك نور العقل ، ما جعله اللّه في العبد إلا ليعرفه به ، ويعرف دلائل توحيده ، ويتبصّر به في أمره . فإذا صرفه في تدبير هواه وشهواته فقد كفر نعمته ، فيوشك أيضا أن يؤخذ منه ، . وإذا أنعم اللّه عليه باستعمال هذه الحواس فيما خلقت لأجله ؛ فليكن على حذر من أخذ ذلك منه أيضا ، فلا يأمن مكر اللّه ، فإن الأسماع والأبصار والقلوب بيد اللّه ، يقلبها كيف شاء ، فإن أخذها لن يقدر على ردها ، ولذلك كان العارف لا يزول اضطراره ، ولا يكون مع غير اللّه قراره ، والعذاب الذي يأتي بغتة ، هو السلب بغتة ، أي : فقد القلب في مرة واحدة ، والذي يأتي جهرة هو فقده شيئا فشيئا ، وسبب هذا الهلاك : هو ظلم العبد لنفسه ، إما بسوء أدب مع اللّه ، أو نقض عهد الشيوخ العارفين بالله . وبالله التوفيق ، وهو الهادي إلى سواء الطريق . ثم رغّب في الإيمان بالرسل ، وحذّر من الكفر بهم ، فقال : [ سورة الأنعام ( 6 ) : الآيات 48 إلى 49 ] وَما نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلاَّ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ( 48 ) وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا يَمَسُّهُمُ الْعَذابُ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ ( 49 ) يقول الحق جل جلاله : وَما نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ للمؤمنين بالنعيم المقيم ، وَمُنْذِرِينَ للكفار بالعذاب الأليم ، ولم نرسلهم ليقترح عليهم ويتلهى بهم ، فَمَنْ آمَنَ بهم ، وَأَصْلَحَ ما يجب إصلاحه على ما شرع لهم ، فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ من العذاب ، وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ لفوات الثواب ، وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا يَمَسُّهُمُ الْعَذابُ