ابن عجيبة

120

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

أي : يلحقهم ، جعل العذاب ماسّا لهم كأنه الطالب للوصول إليهم ، واستغنى بتعريفه عن توصيفه . وذلك المس بِما كانُوا يَفْسُقُونَ أي : بسبب خروجهم عن التصديق والطاعة . الإشارة : ما من زمان إلا ويبعث اللّه أولياء عارفين ، مبشرين لمن أطاعهم واتبعهم بطلعة أنوار الحضرة على أسرارهم ، ومنذرين لمن خالفهم بظهور ظلمة الكون على قلوبهم ، وانطباع الأكوان في أسرارهم ، فمن آمن بهم وصحبهم فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون ، بدليل قوله : أَلا إِنَّ أَوْلِياءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ « 1 » ، ومن كذب بهم وبما يظهر على أيديهم من أسرار المعارف يمسهم عذاب القطيعة ، بما كانوا يفسقون ، أي : بخروجهم عن طاعتهم والإذعان إليهم . وليس من شرط الداعين إلى اللّه ظهور المعجزات أو الكرامات ، كما قال تعالى : [ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 50 ] قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ ما يُوحى إِلَيَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ أَ فَلا تَتَفَكَّرُونَ ( 50 ) يقول الحق جل جلاله : قُلْ لهم يا محمد : أنا لا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ فآتيكم منها بكل ما تقترحون علىّ من المعجزات ، بل خزائن مقدوراته تعالى في علم غيبه ، ليس لي منها إلا ما يظهره منها بقدرته ، وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ حتى أخبركم بالمغيبات ، بل مفاتيح الغيب عنده ، لا يعلمها إلا هو ، إلا ما يوحى إلىّ منها ، وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ فأستغنى عن الطعام والشراب ، أو أقدر على ما يقدر عليه الملك ، إن أنا إلا بشر أوحى إلىّ أن أنذركم ، فأتبع ما يوحى إلىّ ؛ وأتبرأ من دعوى الألوهية والملكية ، وأدعى النبوة التي هي من كمالات البشر . قُلْ لهم : هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمى الذي هو ضال جاهل ، وَالْبَصِيرُ الذي هو مهتد عالم ، أو : هل يستوى مدعى المستحيل ؛ كالألوهية والملكية ومدّعى الحق ، كالنبوة والرسالة ، أَ فَلا تَتَفَكَّرُونَ فتميزوا بين ادعاء الحق والباطل ، فتهتدوا إلى اتباع الحق وتجنب الباطل . الإشارة : ما قالته الرسل للكفار حين اقترحوا عليهم المعجزات ، تقوله الأولياء لأهل الإنكار ، حين يطلبون منهم الكرامات ، وتقول لهم : إن نتبع إلا ما أمرنا به ربنا وسنه لنا رسولنا ، فمن اهتدى وتبصر فلنفسه ، ومن عمى فعليها . وقال الورتجبي - بعد قوله - : وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ : تواضع صلّى اللّه عليه وسلّم حين أقام نفسه مقام الإنسانية ، بعد أن كان أشرف خلق اللّه من العرش إلى الثرى ، وأظهر من الكروبيين والروحانيين على باب اللّه سبحانه ، خضوعا

--> ( 1 ) الآية 62 من سورة يونس .